الخميس، 10 سبتمبر 2015

سيناريو الحاجة بلادي


 الحاجة بلادي

سيناريو فني (ديكوباج)*

 

 

احذرِ المُحذِّرَ

 

 

 

مشهد 1 : خارجي ليلي

1 ــ لقطة قريبة :

الكادر مظلم .. بقعة ضوء من

مصباح محمول تسقط على جدار

.. على عبارة : "منزل الحاجة بلادي" ..

وثمة خربشات طفولية

 

مشهد 2 : منزل .. غرفة نوم

1 ــ لقطة متوسطة :

ثمة شمعة تنير المكان .. ثمة

ساعة معلقة على الجدار

.. الحاجة بلادي تتهيأ للنوم

 

2 ــ لقطة قريبة :

تسحب الحاجة بلادي الغطاء 

                                    

 

صوت في الخارج ينشد : يا بلادي ..

يا بلادي .. يا بلادي

3 ــ لقطة متوسطة :

الحاجة بلادي تستوي جالسة  

في سريرها مغالبة النعاس     

وعلى محياها علامات التذمر

 

الحاجة بلادي : أيوا يا بوي ..من اللي يعيط؟

عليك بخت

4 ــ لقطة متوسطة :

الكاميرا تتابع الحاجة بلادي ناهضة  

من سريرها .. حاملة الشمعة ..

متجهة بتثاقل لفتح الباب               

 

 

الحاجة بلادي : خير إن شا الله

 

5 ــ لقطة متوسطة :

تفتح الحاجة بلادي الباب .. تحدق في 

الظلام .. تحدق معها الكاميرا ..

لا شيء سوى الظلام                     

 

 

الحاجة بلادي : من اللي يبيني؟

 

6 ــ لقطة متوسطة :

تقفل الباب ..تعود الحاجة     

بلادي أدراجها .. تتهيأ للنوم  

 

صوت في الخارج : يا بلادي ..يا بلادي .. يا بلادي ..

الحاجة بلادي : يانا علي ..

عليك قل راحة .. يا طياح سعد

بلادي

7 ــ لقطة متوسطة :

الحاجة بلادي تستوي جالسة  

في سريرها مغالبة النعاس

وعلى محياها علامات التذمر 

 

الحاجة بلادي تتمتم تعبيرا عن التذمر

صوت في الخارج : يا بلادي .. يا بلادي ..

8 ــ لقطة متوسطة :

تنهض ..تتابع الكاميرا الحاجة

بلادي في مسارها المعتاد بحركاتها

المتثاقلة لفتح الباب                     

 

9 ــ لقطة متوسطة :

تفتح الباب على الظلام ..       

ثمة بقعة ضوء ضئيلة بعيدة   

تتحرك يمنة ويسرة        

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تنهال رخة من الحجارة عليها من 

جهة بقعة الضوء المتحركة ..     

تسرع الحاجة بلادي بقفل الباب

      

 

الحاجة بلادي : من اللي يعيط؟

صوت ينشد من جهة بقعة الضوء

المتحركة : يا بلادي .. يا بلادي .. 

الحاجة بلادي : إنعم يا بوي .. كنك .. كنك؟

صوت ينشد من جهة بقعة الضوء

المتحركة : ادفعي كيد الأعادي

والعوادي واسلمي ..

الحاجة بلادي : باهي .. باهي ..

سودت ليلتي .. نا ماني في كيد الأعاديش ..

نا فيك أنت هو من هو؟  

 




صوت اصطدام الحجارة بالباب والنوافذ

 

                      

10 ــ لقطة متوسطة :

الحاجة بلادي جالسة بفراشها ..      

تحدق في الساعة .. تراوح ببصرها 

بين الساعة والشمعة                  

 

يسمع بين الحين والآخر صوت طرق الحجارة على الباب والنوافذ

 

عقارب الساعة مفك يدور يمينا يمارس الغلق والشمعة تنزف.

 

9/8/2015

*مصطلح (السيناريو الفني : الديكوباج) : انظر الحلقة الدراسية في مجال كتابة السيناريو، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان ــ طرابلس، ط1، 11395 و.ر ــ 1986 م، ص 11.

 

 

الاثنين، 7 سبتمبر 2015

جدل العكاز والشمسية



جدل العكاز والشمسية
محاولة لفهم الذات

مهداة إلى ابن الخال : أبو بكر بو عجيلة الحاسي

          كثيرا ما أسمع البعض ينتقد القذافي في أنه لم ينجح في جعل ليبيا مثل الإمارات العربية مثلاً .. وأحياناً تتقلص المقارنة من مقارنة الكل بالكل إلى مقارنة الجزء بالجزء .. أي لماذا لم تكن بعض مدن ليبيا في مستوى دبي؟ .. وتجلى هذا التحسر في قصائد وأبيات شعرية .. فعندما تولى امبارك عتيق أمانة اللجنة الشعبية لشعبية القبة (توفّي خلال توليه هذا المنصب عام 1999 م) وقام ببعض الخطوات المتعلقة بمظهر مدينة القبة .. تردد على ألسنة الناس البيت :
    احسبت القبة كدبي *** بدور الضي *** وتكنيسة لوساخ اشوي؟!
         وفي أواخر عام 2014 نسمع الشاعر حسن علي بو الدردية من قصيدة بيتاها الأول والثاني :
شهادة حق يلقاها الحي        ***   نهار الموت في حبل الوريد
                    لا لزلام يعنوني بشي          ***     ولا الثوار داروا ما اريد
يقول :
كنت نقول نقبوا كدبي        ***      للصومال جنحنا أكيد!!!
       وفي هذه المقارنة وهذا التحسر ثمة ما يقال.
انتبه للفروض الخادعة
        أول ما يمكن ملاحظته أن في المقارنة بين ليبيا والإمارات طعماً أو فرضا خادعا .. ففرضية أن الإمارات دولة قدوة محل شك .. على المستوى الاقتصادي الذي هو محور المقارنة أصلاً يوجد تفاوت كبير جداً بين الإمارات فشتان بين دبي وبين الإمارات الأخرى .. وعلى مستوى هذا المحور أيضاً وفي دبي ثمة تقدم اقتصادي ذو طابع رأسمالي بما في الرأسمالية من مساوئ يعتمد في معظمه على الأجانب بما في ذلك من مخاطر مستقبلية .. وثمة تغريب للمكان عن المواطن بالمعنيين اللذين توحي بهما كلمة تغريب : من الغرب كمصطلح جغرافي ذي بعد حضاري ومن الغربة بدلالاتها المعروفة .. بحيث لو طبق هذا النموذج على أي مدينة ليبية لوجدنا المواطن يرفضه أو يتذمر منه ولو بعد حين .. فليس بالدولار وحده يحيا الإنسان.
      بالإضافة إلى ضرورة الانتباه إلى مدى صحة الفرضية : بأن الإمارات دولة قدوة .. ينبغي الانتباه على الجانب الآخر إلى مدى صحة الفرضية : بأن نظام القذافي لم يحقق لليبيين شيئا .. علينا مناقشة هذه المقولة نقاشا موضوعيا منصفا فقد تكون من الفروض الزائفة أيضا.
الشيخ زايد في ليبيا
       للشعب الليبي بالإضافة إلى الفروق الجغرافية وتلك المتعلقة بحجم السكان وتنوعهم فيما يخص المقارنة موضوع البحث ثمة خواص أخرى تتعلق بالشخصية الليبية بحيث لا نبالغ إذا قلنا لو أن الشيخ زايد نفسه تولى السلطة في ليبيا لما استطاع أن ينجز شيئاً أكثر مما تم إنجازه.
       ولماذا نلجأ إلى التخيل؟ .. لقد تولى السلطة في ليبيا رجل من نفس المدرسة التي ينتمي إليها الشيخ زايد إنه الملك إدريس .. فالاثنان يتبعان سياسة تجنب الصدام : ففي الوقت الذي نرى فيه الشيخ زايد يقبل على مضض باحتلال إيران لجزء من أرضه نرى الملك إدريس يقبل في سابقة عربية بعد الاستقلال بوجود قواعد أجنبية على أرضه .. وكلاهما كالبندول الحائر بين الموروث الديني وأدبيات حقوق الإنسان المعاصرة .. فقد أبيح في عهد الملك افتتاح دور الدعارة وبيع الخمور.. ولكن رغم تلك الهيدقة الدينية ماذا كان مدى قبول الشعب الليبي لذاك في حينه؟ .. وربما تكون الخمور مباحة أو يغض عنها الطرف الآن في الإمارات العربية المتحدة (ربما في دبي تحديداً) ..  بالإضافة إلى أنهما يميلان لمسايرة الغرب عموماً.
        لعل من اللافت أن الملك إدريس بات يلقب الآن بالملك الصالح بينما من الأفضل تلقيبه بالملك الزاهد (أي الزاهد في السلطة) إذا كانت ثمة ضرورة للقب إذ أن الصلاح بصفة عامة من المفاهيم الخلافية .. يبدو ذلك من هذا التناقض (بمنظور المجتمع الليبي المسلم) الذي صار واضحا الآن ويتجلى على سبيل المثال لا الحصر في وصف من أباح افتتاح دور الدعارة بالصلاح وتكفير من قام بإغلاقها (أي القذافي).
القذافي مركّب ومرحلة
        أما وإن المقارنة مؤسسة على الأشخاص بالإضافة إلى الشعوب .. والحديث فيها يدور حول الشعب الليبي والشعب الإماراتي وأيضا حول الشيخ زايد والملك إدريس ومعمر القذافي وبما أننا قد تطرقنا بشيء من الإيجاز للتعريف بالشيخ زايد والملك إدريس فقد صار من حق القذافي أن نعرف به أيضا.
         حينما جاء القذافي إلى السلطة في 1969 كان كائنا سداسي التركيب : شاب + عسكري + بدوي + فقير + خلفية دينية + توجهات ناصرية .. وليست هذه العناصر الستة كلها سيئة في ذاتها ولكن حينما توضع في إناء المرحلة يختلف التقييم .. كونه شابا يعني قلة الخبرة وانعدام الحنكة ولكن من المفترض اكتسابها بالتقدم في العمر والممارسة .. ولم تكن العسكرية عيبا في الحاكم في المرحلة التي سبقت مجيئه ولكن حينما أطل كان المزاج العام في المنطقة قد تحول للنفور من الحاكم العسكري وكان المزاج العام قد بدأ في النفور أيضا من البداوة وقد ساعدت الطفرة النفطية وعوامل أخرى في نشوء المدن وتجلت في السينما والمسرح السخرية من البدوي القادم إلى المدينة .. وحينما يصل الفقير إلى السلطة فثمة احتمالان : إما أن يضيق على الأغنياء بغطاء اشتراكي موجه وإما أن يسلك سلوكهم ويشرع في سد جوعه المزمن للملذات  والثروة .. وقد اختار القذافي الاحتمال الأول .. يحضر في هذا ذلك الهتاف الذي كان يتردد في بداية عهده :
يا وكال دجاج محمّر   ما تحساب وراك معمر.
       وأما فيما يتعلق بخلفيته الدينية فقد جاء القذافي في لحظة الطلاق العلني بين الإسلام والعروبة فتمزق بينهما .. وهنا لابد أن نتذكر قصيدة شعبان اكبيرة (كفرت بيعرب)  نزارية الطراز التي حوت مصطلحات إسلامية : (كفر .. ثواب .. القدس .. الخليفة) وقد قدمت في ساق عروبي وكان هذا في لحظة الافتراق بين العروبي والإسلامي.
      وكان المزاج العام قد أخذ في الابتعاد عن الناصرية بفعل هذا الافتراق بين العروبي الإسلامي أو ربما كان هذا الافتراق نتيجة لهزيمة 1967 وتعثر مشروع تحرير الأراضي المحتلة وكانت إرهاصات ما عرف فيما بعد بالصحوة الإسلامية وحملة تشويه عبد الناصر والقوميين التي صاحبتها (حملة الشيخ عبد الحميد كشك مثال على ذلك).
       وكان العنصر المؤهل لأن يستفيد القذافي منه هو العنصر الخامس : (الخلفية الدينية) .. فالرجل كان حافظا للقرآن وبعدة قراءات وكان كما يبدو جيد الإطلاع على السنة والفرق والمذاهب .. وما قام به من غلق دور الدعارة ومنع تصنيع الخمور وبيعها وطرد الأجنبي المستعمر من ليبيا وغير ذلك من الخطوات ربما ما جعل الشيخ كشك الإخواني الحاقد على الجميع يقول عن القذافي :
قد عمّر الإسلام معمر.
       لكن ما لبث أن غير رأيه وشمله بحملته المتجنية التي كانت تمهيدا لأن يطرح الأخوان أنفسهم كبديل وحيد لكل الأنظمة القائمة بعد نجاح الحملة.
          وربما ساهم القذافي في ألا يستفيد من هذا العنصر .. فربما جاهر بعدائه للإخوان أو للتيار الإسلامي لقلة حنكته و لغلبة الارتجال عليه .. فكثيرا ما ورط القذافي لسانه أكثر مما ورطه فعله .. خذ مثلا آراءه في القرآن والسنة التي لم يكن لها من ضرورة والتي التقطها خصومه من آل سعود وغيرهم فسلطوا عليه علماءهم فكفروه بسببها وألبوا عليه العوام .. وخلطه بين الجد والهزل مثال ذلك طرحه لإعادة إحياء الدولة الفاطمية .. هذا الطرح لا يمكن حمله محمل الجد ولكن قد يستغله خصومه للسخرية منه أو اتهامه بالرجعية أو بالتطرف أو حتى بالتشيع .. وخذ مثلا آخر : قولته في الخطاب المشهور (زنقة زنقة) :
معي الملايين وموش م الداخل.
       التي التقطها السباطشة الليبيون والسباطشة الأجانب ليسوقوها كاعتراف صريح بوجود مرتزقة أثبت فيما بعد عدم وجودهم.
        أما على مستوى الفعل فلم يكن سيئا بالمطلق .. فله ما له وعليه ما عليه ويمكن تقييم عهده تقييما مرحليا وفي هذا ثمة مراحل أربع على وجه التبسيط : من 1969 إلى 1976 ومن 1976 إلى 1988 أصبح الصبح ومن 1988 إلى 2003 تاريخ سقوط صدام حسين ومن 2003 إلى 2011 .. وأغلب الأمثلة والذكريات السيئة التي يسوقها خصومه لتشويه عهده عبر وسائل الإعلام قبل وبعد اغتياله ملتقطة من المرحلة الثانية الممتدة من 1976 إلى 1988 وهي المرحلة التي سماها القذافي نفسه بمرحلة العنف الثوري.
       وبينما كانت المرحلة الأولى هي مرحلة القذافي البطل الوطني الذي أجلى القواعد الأجنبية وبقايا المحتلين الطليان وأمم شركات النفط فقد كانت المرحلة الأخيرة مرحلة تسوية الملفات العالقة وتصفية مخلفات مرحلة الثانية أي مرحلة العنف الثوري .. ويمكن تسميتها مرحلة السل (بفتح السين المشددة) والتي أشارت إليها الأغنية التي مطلعها :
سليتا وسلم إيدك    سلة شعر من عجينة.
     وهو مطلع يفضل بعض الملاعين قراءته قراءة جنسية ويتساءلون من ثم عن ماهية المسلول.
هل المقارنة عادلة؟
          لتكون المقارنة عادلة ينبغي أن نضع طرفيها في نفس الظروف تقريباً .. وهكذا نلاحظ أنه ليس من العدل المقارنة بين شعب وقبيلة .. أو إذا أردنا التخفيف بين دولة الكوكتيل من القبائل والأعراق والدولة القبيلة على غرار الدولة المدينة التي شاعت قديما في بلاد الإغريق .. هذا على المستوى الديموغرافي .. أما على المستوى الجغرافي فليس من العدل أيضاً المقارنة بين ليبيا كقارة والإمارات كبلد مساحته ربما تعادل مساحة أصغر بلدية في ليبيا.
         وعلى مستوى التاريخ فثمة فروق جوهرية ..  ففي حقبة الاستعمار الحديث كان يطلق على هذه الإمارات السبع اسم دول الساحل المتهادن Trucial States  .. في الوقت الذي شرد فيه الليبيون الأتراك في أواخر حكمهم لليبيا وشردوا بعضهم بعضا في الحروب الأهلية والصراعات القبلية ثم خاضوا صراعا مريرا مع إيطاليا .. وفي عهد الشيخ زايد لم نسمع بإماراتي في مناطق الصراع والحروب الأهلية في العالم بينما تهافت الليبيون عليها بقوة.
        ومن بين الملامح المميزة للشعبين أيضا نجد مثلا أن الشعب الليبي الذي خرج محطما .. شعباً من ذوي العاهات بعد أن طحنته حربان عالميتان وحرب إيطاليا وبفقر مدقع وبنسبة أمية مفجعة .. نجده يدخل أول انتخابات بأحزاب عديدة بعضها ذات مرجعيات خارجية أو تمويل خارجي .. ما دعا الملك إدريس وهو المعروف بهدوئه وصبره أن يوقف عمل الأحزاب حتى نهاية عهده.
        يضاف إلى ذلك هذا التعطش للأفكار الوافدة فعلى سبيل المثال لم يمض على ولادة حزب التحرير الطامح لإعادة دولة الخلافة السنوات الست أو السبع حتى وجدنا له في مطلع ستينيات القرن الماضي أعضاء في ليبيا .. يقابل هذا التعطش للوافد والمستورد زهد وعزوف عما هو ذاتي أو محلي .. تجلى هذا النزوع للتحزب والتشرذم أيضا بعد اغتيال معمر القذافي والذي حارب الأحزاب والحزبية بشراسة.. فما كاد يدفن إن دفن حتى أطلت علينا قائمة مرعبة من الأحزاب الوليدة  .. وكما رفضت الأحزاب من السلطة في عهد المملكة وعهد الجماهيرية رفضت من قبل الرأي العام بعد الانتخابات البرلمانية الأولى عام 2012م .. بينما في المقابل لكل هذا لم نسمع عن إماراتي واحد وحيد في عهد الشيخ زايد حوكم بتهمة محاولة تشكيل حزب؟
          لنأخذ قبيلة ليبية متميزة قليلة التفرع جيدة التجانس مثل قبيلة الحاسة .. ولنفترض أن هذه القبيلة أعلنت عن قيام دولتها الفيدرالية في أرضها التي تقيم بها .. وسمتها الإمارات الحاسية المتحدة (هذا مع افتراض وجود ثروة طبيعية ضخمة) .. وتولى قيادة كل إمارة من إماراتها الثلاث شخص منها ووضعوا على رأس الدولة واحدا من أعيان القبيلة ووجهائها .. هذه الدولة المتخيلة هي التي تصح المقارنة بينها وبين الإمارات العربية المتحدة.
        في المقابل قد تصح المقارنة على مستوى الإنجاز بين ليبيا في عهد القذافي و الجزائر في عهد حزب التحرير .. فالبلدان متقاربان من حيث الجغرافيا والديموغرافيا والتاريخ والثروة ووقوعهما في إقليم واحد ومن حيث طبيعة الشعب وهواجس النظامين السياسية.
      ربما استشف البعض من هذا أنني أريد القول بأن الدول الصغيرة جغرافيا وديموغرافيا لديها فرصة أفضل للتطور الاقتصادي على الأقل .. وربما استنتج هذا البعض أنني من مؤيدين نموذج الدولة القبيلة وربما قاد هذا الاستنتاج لاتهامي بأنني من دعاة التقسيم.  
       هنا ينبغي توجيه التفكير والقراءة .. إذ ينبغي الانتباه إلى أنه ليس المهم تجنب التقسيم بل المهم ألا تتحول الوطنية إلى وطنية قسرية وذلك بأن تبنى الأوطان على التراضي فإذا تعذر ذلك فلا جدوى من تبادل الاتهامات والبحث في النوايا .. ثم أن حدود الدول ليس (كما يقال في الفقه الإسلامي) أمرا توقيفيا .. رأينا كيف صارت سنغافورة بعد طردها من الاتحاد الفدرالي الماليزي وهي في حجم بلدية ليبية وكيف صارت تشيكوسلوفاكيا الصغيرة جغرافيا أصلا دولتين ولم تقم القيامة بعد .. بل ربما قامت القيامة بالفعل لو ظهر تيار أحمق فاعل في تشيكوسلوفاكيا يمنع التقسيم بحجة اللحمة الوطنية! .. إذا قامت الرفقة على الاستكراد والهيمنة فلا تستغرب أن يكون الافتراق نهايتها.  
مقارنات إضافية
         أسقط النظام الملكي في مصر بانقلاب عسكري .. ذهب الملك إلى المنفى وقبل رجاله بما حدث ولم ينغصوا على الشعب المصري عهده الجديد .. سقط النظام الملكي في ليبيا بانقلاب مماثل .. ذهب الملك إلى منفاه وسكت بينما ظل رجاله ينغصون على الشعب و يتسقطون أخطاء القذافي ويبالغون في إظهارها ويسفهون أعماله ويتآمرون عليه ويوغرون عليه صدر الشعب وصدر القوى الكبرى الحاقدة أصلا ويستفزونه لاعبين على تركيبته السداسية (وخاصة العنصر الرابع وتضييقه على أثرياء المملكة) وقابليته العالية للاستفزاز ما دفعه على الأرجح لافتتاح المرحلة الثانية أي مرحلة العنف الثوري وأدى ذلك إلى تصعيد متبادل بينه وبين الشعب .. ولم ينتبه القذافي إلى الفخ الذي أوقعه فيه رجال النظام الملكي إلا بعد سنوات حيث بدأت المرحلة الثالثة مرحلة الإصلاح والاحتواء والمصالحة أو المرحلة التمهيدية لمرحلة السل ولكن هذه المرحلة التمهيدية عانت بعض التعثر بسبب ملفات قديمة مثل قضية لوكربي وحديثة مثل أسلحة الدمار الشامل.
         سقط النظام في تونس .. سكت بن علي ورجاله .. سقط نظام القذافي وظل رجاله يرفضون القبول بما حدث .. طبعا مع مراعاة أن طريقة إسقاط القذافي كانت خاطئة بكل معنى الكلمة .. وهذه الطريقة نفسها تكشف جانبا من شخصية هذا الشعب.
         استقوى العراقيون بالخارج لإسقاط نظام صدام حسين واستقوى الليبيون بالخارج مثلهم ودخلوا زيادة فيما يمكن وصفه بالحرب الأهلية لإسقاط نظام القذافي .. وبينما نجد أن العراقيين لم يسموا ما فعلوا ثورة ولم يحتفلوا بتحرير هذه المنطقة أو تلك نجد كثيرا من الليبيين على العكس من ذلك. 
         ربما احتج البعض بتسامح أو تساهل الملك إدريس وبحقوق المواطنة التي منحها دستور المملكة للجالية الإيطالية في تجاوز مؤلم ومجاني للبشاعات التي ارتكبتها إيطاليا .. ولعل الرد يكون بأن ذلك كان قرارا فوقيا وبأن الشعب لم يستفتَ في ذلك وربما لم يكن في معظمه يعلم بما يدور.
جدل العكاز والشمسية
        والسؤال الذي أتوقع دورانه بخلد القارئ : سكرتا وجبت مفاتيحها؟ .. خلاص؟ .. الجغرافيا نقطة ضعف ليبيا؟ والشعب الليبي مزعج والعزاء فيه باطل؟!!
        في سبعينيات القرن الماضي طرح أحدهم بذرة فلسفية سميتها في مخطوط لي لم ينشر بعد بالفلسفية العكوزية .. كان ذلك حينما طلب رجل متقدم في السن الكلمة في المؤتمر الشعبي الأساسي طبرق المركز ووقف ملوحاً بعكازه بحيث كان طرفه الأعوج إلى الأعلى وألقى على الحضور السؤال :   
ــ العوج منين؟
= من فوق!!
        وغادر القاعة تاركاً لجنة الصياغة في حيرة شديدة .. وقد اقترحت في المخطوط المشار إليه فلسفة مضادة سميتها الفلسفة الشماسية حيث يكون اعوجاج عصا الشماسية من أسفل .. في هذه المقالة أميل لتبني الفلسفة الشماسية .. هذا يذكرنا بالمقولتين : "عمالكم أعمالكم كما تكونوا يولّ عليكم" و "الناس على دين ملوكها" اللتين تبدوان متناقضتين أو أن لكل واحدة منهما مقامها .. وثمة رأيان في هذا المقام أيضا : من أفسد الآخر؟ :
= معمر القذافي أفسد الشعب.
= كلا .. بل الشعب أفسد القذافي.
       لعل كل واحدة من الإجابتين صحيحة بدرجة ما مع أن الأولى هي الأعلى صوتا ولكن صوت الحق قد يكون خافتا .. ولعل القذافي نفسه أراد الدفاع عن نفسه دفاعا مستقبليا شرطيا مؤجلا ضمن هذا الجدل حيث أثر عنه أن آخر ما قاله وهو في سرت قبل اغتياله بأيام هذه الشطرة :
إسّاع تعمري إن كان هو خرابك مني.
         ثمة علاقة جدلية إذن بين الاعوجاج العلوي والاعوجاج السفلي .. أي جدل العكاز والشماسية .. وكأي علاقة جدلية ثمة ميل في هذه الناحية أو تلك .. وكما يبدو فإن الغلبة للثاني في أكثر الأحيان .. وتبقى المراهنة على الفهم .. فهم الذات .. فكما أن المريض النفسي قد يعالج بجلسات بوح واستدعاء لعقد الطفولة فهذا الشعب يحتاج لجلسات مشابهة لاستدعاء عقد التأسيس والماضي ومن ثم فضح أوهام الحاضر شرط أن يحذر الطعوم والفروض الزائفة .. وهذه مهمة المثقفين الجديرين بصفة المثقف الواعي المخلص بالدرجة الأولى .. وليس هذا سوى جزء من العلاج .. هذا فيما يخص الشعب في السؤال الدائر بذهن القارئ .. أما فيما يتعلق بالجغرافيا .. وكجزء من العلاج أيضاً فلا مناص من كسر حدتها والتخفيف من مساوئها بالحل الذكي الذي ارتضاه الملك إدريس ومعاصروه وهو الحل الفدرالي والذي يعتبر سابقة ليبية مميزة تدعو الليبيين للفخر (لعل ليبيا البلد الأول أو من أوائل البلدان التي تبنت النظام الفدرالي على مستوى ما يعرف بالعالم الثالث على الأقل) وهكذا فهي سابقة تستحق الإحياء بدوافع عاطفية وبراغماتية أمنية وغيرها ولكن بمنظور وطني ناضج بعيداً عن التغني الجهوي السمج.



9/7/2015

الاثنين، 31 أغسطس 2015

تطوير التظاهر


تطوير التظاهر
تصادم المقولات
1 ــ "الديمقراطية تعني الاحتكام لصندوق الاقتراع"
2 ــ "حق التظاهر مكفول للمواطن"
3 ــ "الشعب مصدر السلطات"
       هذه المقولات وربما مقولات أخرى تروج كوصفات لحل مشكل أدوات التغيير في المجتمع والسلطة .. وهذه المقولات تبدو متضاربة أو ربما يشوبها سوء فهم .. والواقع المعاش يعكس هذا التضارب أو سوء الفهم .. فإذا أخذنا بالمقولة الأولى واحتكمنا لصندوق الاقتراع فلا يحق لنا الأخذ بالمقولة الثانية .. أي لا يحق لنا التظاهر ضد السلطة التي أفرزتها صناديق الاقتراع .. ولكن المدافعين عن حق التظاهر يستندون حسب زعمهم على المقولة الثالثة.
       هل هو تناقض أم سوء فهم؟ .. ماذا نعني بالمقولة : "الشعب مصدر السلطات"؟ فيبدو أن هذه المقولة هي المقولة المركزية؟ البعض يفهمها بأنها الاحتكام لصناديق الاقتراع فقط .. وآخرون يفهمونها بأنها أيضا اللجوء للتظاهر والاعتصام ويبدو من الاستقراء بالعين المجردة بأن الفريق الأخير يمثل الأغلبية أو يمثل الفريق الأعلى صوتا .. فقد توسع في اللجوء للتظاهر فيما يسمى بالربيع العربي فأسقطت أنظمة ودمرت أوطان وأقاليم عديدة وصار من الشائع اتهام تلك المظاهرات بأنها جزء من مؤامرة خارجية.
       لن نتناول المثالب الكثيرة والخطيرة التي تسم الانتخابات (المقولة الأولى) كأهم ملمح من ملامح الديمقراطية التقليدية بالتفصيل من كونها عرضة دائمة للتزوير وللشراء واقتصار الترشح فيها على الأغنياء والدور السيئ للأحزاب فيها والدور السيئ أيضا للمال السياسي وكونها لا تعبر دائما عن إرادة الشعب فقد تتدنى نسبة المشاركة ومع ذلك يؤخذ بنتائجها كما أنها قد تؤدي إلى اللجوء للعنف وربما إلى الحروب الأهلية .. بل سوف يقتصر الحديث على المقولة الثانية.
المظاهرة وسيلة تغيير أم تعبير؟
        ظل التظاهر مصدر قلق للسلطات في العصر الحديث وجرت محاولات عديدة من السلطات في المجتمعات المتقدمة والأقل تقدما وتلك التي تدعي العراقة الديمقراطية وتلك المتهمة بالاستبداد لمواجهة خطر التظاهر .. من بين تلك المحاولات كان القمع حيث رأينا في الألفية الثالثة كيف قمعت المظاهرات في فرنسا وبريطانيا وأمريكا وإيران وتركيا وغيرها .. وأمام التوسع في استخدام هذه الوسيلة وإصرار البعض على جعلها وسيلة للتغيير لا لمجرد التعبير تم اللجوء لسن القوانين للتحكم فيها .. فظهرت قوانين تمنع التظاهر وتجرمه ما لم يتحصل المتظاهرون على موافقة الشرطة وربما أحدث هذه القوانين قانون التظاهر في مصر المثير للجدل والذي يحاول به النظام المصري الجديد الذي جاء بوسيلة التظاهر ألا يشرب من الكأس نفسها التي سقاها لمرسي وذلك مأزق قديم جديد حيث يحلل المرء لنفسه ما يحرمه على الآخرين وهو مشابه لمأزق بعض السباطشة بتحليل التدخل الخارجي سابقا وتحريمه الآن!!.
      هنا لابد من التساؤل أولا : هل التظاهر يراد به أن يكون وسيلة تعبير أم وسيلة تغيير؟
      إذا أريد به مجرد وسيلة تعبير فليس ثمة جدوى منه وربما استعيض عنه بالاستفتاء واستطلاع الرأي وإذا أريد به وسيلة تغيير وهذا ما يبدو من الواقع المشاهد فقد نسف مقولة الاحتكام إلى صندوق وخصوصا إذا ما وضعنا مساوئ التظاهر في الاعتبار (سوف نتناول هذه المساوئ لاحقا)
ثانيا : هل من المنطقي أن يكون الأذن بالتظاهر ضد السلطة من الشرطة والشرطة جزء من السلطة؟ هل من المنطقي أن يسأل المواطن السلطة بأن تسمح له بالتظاهر ضدها؟ وهل يتوقع منها الموافقة؟
    للسلطة مبرراتها المعقولة التي تجعلها تتحكم في حق التظاهر.. ومنها :
1 ــ المظاهرات قد تكون وسيلة لا ديمقراطية حيث تخرج نسبة صغيرة من الشعب لتفرض رأيها على الأكثرية .. (رأينا هذا على سبيل المثال في ما سمي بالربيع العربي).
2 ــ قد تكون المظاهرة وسيلة لابتزاز السلطة من قبل أفراد يتمتعون بإمكانات إعلامية ومالية كبيرة  وقدرات متميزة على إثارة الشارع وتوجيهه للخروج ضد السلطة لأن هؤلاء الأفراد ربما استخدموا الجماهير أداة لابتزاز السلطة للظفر ببعض المكاسب الشخصية أو الفئوية.
3 ــ المظاهرات عرضة للشراء وللاختراق ضمن الصراعات بين القوى الداخلية وقد يتم توظيفها كأداة في أيدي الاستخبارات الأجنبية.
4 ــ الجماهير في المظاهرة قابلة للتضليل ومن ثم صفها تحت شعارات لا تعبر في الحقيقة عن مطالبها .. فالبيان الختامي للمظاهرة يصوغه غالبا القلة من الأفراد المهيمنين ولا يستشار فيه بقية الحاضرين .. بل قد يفاجأ البعض به ويعتبر موافقا على ما جاء فيه بمجرد أن ثبت وجوده بالساحة ساعة قراءة البيان.
5 ــ تخرج المظاهرات غالبا عن السيطرة وتؤدي من ثم إلى العنف وتهديد السلم الاجتماعي وربما وقعت بها أعمال عنف من قبل مندسين ونسبت ظلما إلى الشرطة.
6 ــ قد تستخدمها بعض أطراف السلطة في خضم الصراع الدائر بينها.
7 ــ المظاهرات لا تتقيد بالمكان .. فقد نرى تظاهرة في مدينة ما ويفهم من ذلك أن تلك المدينة معارضة للسلطة وتتبنى ما جاء في بيان المظاهرة بينما ربما كان المشاركون في تلك المظاهرة من أبناء المدينة قلة والأغلبية من مدن أخرى وربما من مواطني دول أخرى!! .. وقد تتحول إلى مجرد وسيلة للتسلية (ولكنها تسلية مزعجة للسلطات) فيجلب إليها حتى الأطفال.
8 ــ التظاهر حينما لا يكون وفق مواعيد منتظمة ومحددة سلفا فإنه قد يكون فجائيا وقد يغلب عليه التسرع والآنية وقد يعبر كثير من المشاركين عن ندمهم بعد حين ولكنه الندم الذي فات أوانه.
     هذه المبررات هي ذاتها مساوئ المظاهرات والتظاهر وهي صحيحة وهي هنا من وجهة نظر الشرطة ولكن ذلك لا يبرر تحكم الشرطة في التظاهر .. ولا يدفع مؤيد التظاهر قائلا : إنها كلمة حق يراد بها باطل .. فيكفي أنها كلمة حق بغض النظر عما يراد بها .. ويمكن أن يضاف إليها من وجهة نظر الناس :
9 ــ تخوفا من توظيف التظاهر لأغراض شخصية أو فئوية أو لأطراف خارجية وتخوفا من استغلالهم من قبل الأفراد المهيمنين فقد يحجم كثير من الناس عن المشاركة .. وهكذا نحرم من الفوائد الكثيرة التي يمكن أن تجنى من هذه الوسيلة إذا ما استخدمت بصورة صحيحة ونظيفة.
     قد لا يكون الحل بالسماح بالتظاهر كيفما اتفق ولا يكون أيضا بمنع التظاهر أو طلب الإذن فيه من الأجهزة الأمنية وهي جزء من السلطة المستهدفة غالبا من قبل المتظاهرين.. فما الحل؟
     عولج هذا الإشكال بوسائل أخرى مثل اللجوء للاستفتاء والاستطلاع وجمع التواقيع ولكن هذه الوسائل تجمع بين بعض مساوئ الانتخابات ومساوئ التظاهر .. فهما عرضة للتزوير وعرضة للتوجيه والإيحاء المضلل وقد تكون نسبة المشاركة متدنية ولكن كما يحدث في الانتخابات يؤخذ بها رغم ذلك.. وأحيانا يكون الاستفتاء وسيلة تعبير لا تغيير .. وسيلة استشارية غير ملزمة (رأينا هذا مؤخرا في اليونان فقد دعت الحكومة مطلع الشهر السابع من العام 2015 إلى استفتاء الشعب حول الإجراءات التقشفية التي يصر الاتحاد الأوروبي على تطبيقها في اليونان وقد عبرت النتيجة عن رفض المشاركين في الاستفتاء تلك الإجراءات ولكن البرلمان قبل بها فقبلت بها الحكومة وصار رأي الشعب في الاستفتاء استشاريا).
      حادثة اليونان هذه تطرح مفارقة من أهم وأخطر مفارقات الديمقراطية التقليدية أو الغربية .. حيث يصير مانح التفويض تابعا وخاضعا لحامل التفويض .. فقد رأينا البرلمان وهو المفوض من قبل الشعب اليوناني يتبنى ما عبر الشعب الذي اختاره عن معارضته ورفضه.
      ونعود إلى السؤال : ما الحل؟ مادام السماح بالتظاهر مطلقا أو منعه مطلقا أو التحكم فيه من ممثلي السلطة أو استبداله بالاستفتاء وما شابهه من الوسائل كلها ليست بالحلول الوجيهة؟  
الحل المقترح
     الحل المقترح يدعو للسماح بالتظاهر مطلقا وليكن وسيلة تغيير لا مجرد وسيلة تعبير .. ليكن التظاهر ملزما لا استشاريا ولكن بعد معالجة مساوئ التظاهر السابق سردها :
1 ــ ألا يكون التظاهر آنيا وفجائيا بل يكون في مواعيد محددة سلفا على مدار السنة.
2 ــ أن يلتزم بالمكان فيتظاهر في كل مكان أهله ولا يسمح بانتقال المتظاهرين من مدنهم وقراهم إلى مدن وقرى أخرى .. هذا يستلزم وجود تعريفات وبطاقات خاصة تحدد هوية الأشخاص وانتماءاتهم المكانية وغير ذلك من الإجراءات التنظيمية.
3 ــ أن يعبر بيان المظاهرة أو توصياتها وقراراتها عن رأي الحضور ولا يكون تعبيرا عن رأي قلة من الأفراد المهيمنين .. أي أن يضمن استشارتهم جميعا والوصول من ثم إلى صيغة توفيقية.
4 ــ لضمان اقتصار التظاهر في المكان الواحد على أهله من الراشدين والراشدات وليتاح للجميع المشاركة في النقاش يجب أن يكون في قاعات لائقة محترمة لا في ساحات مفتوحة يصرخ فيها الناس كالمجانين ويهيمن فيها ذوو الأصوات المرتفعة لا ذوو الحجج المقنعة.
5 ــ مادام يراد بالتظاهر أن يكون ملزما فينبغي كإجراء تحوطي ألا تنفذ التوصيات والقرارات فورا بل تعرض على مجالس خبرة موثوق بها تقول رأيها فيها وتعاد إلى المتظاهرين بعد فترة زمنية معقولة كل حسب مكانه وفي مواعيد محددة سلفا ليعاد فيها النظر.
6 ــ لمجالس الخبراء بالإضافة لإبداء الرأي والمشورة غير الملزمة في مطالب الناس (النقطة رقم 5) صلاحية اقتراح بعض المطالب التي ترى من المفيد تبنيها.
     أسمع القارئ الليبي يقول : كأنني التقيت بهذا الحل من قبل .. أقول نعم وأن أجرى عملية تجميل .. ولكن أيها القارئ دعك من هذا .. ابحث عن الجوهر .. ابحث عما ينفع الناس ودع عنك الزبد.
      أسمع القارئ الليبي يقول أيضا : الحديث الآن عن تطوير التظاهر في وجود دوي القنابل يعتبر ترفا فكريا.
      أقول : من المؤسف أنك أيها القارئ على حق.
      هناك تساؤلات أخرى تتعلق بالسلطة التنفيذية وكيفية اختيارها وما إذا كان ثمة ضرورة لوجود مجالس تشريعية بوجود هذه الصيغة المتطورة للتظاهر وتساؤلات عن كيفية اختيار مجالس الخبرة وغير ذلك .. وهذه الأسئلة ليس من الصعب الإجابة عليها ولكن ليس هاهنا مقامها .. فهنا يقتصر الحديث عن تطوير التظاهر فحسب .. وربما أتطرق لإجابة التساؤلات السابقة في سياق مبادرة تهجس في النفس لتصور النظام السياسي وشكل الدولة في ليبيا بالإضافة لتصور آخر يتعلق بمشكلة الحقوق والقصاص والمصالحة .. راجيا أن تحظى هذه المقالة بالنقاش الصريح الجاد والهادف.

20/8/2015


المقال رقم 11 : جدل القاتل والضحية


جَدَل القاتل و الضحية في التجربتين : السبترية و السبطشية

بين التباسين
      يعتقد المسلم جازما بدخول الشهيد المحتوم للجنة و التمتع بكل ما فيها و لكنه يعد من جعل الحي شهيدا (أي القاتل) مجرما و يطالب بالقصاص منه .. كما أن أقارب الشهيد (أولياء الدم) يصرون على ذلك بدلا من يتقدموا بشكر القاتل أو تجاهله على الأقل لأنه أعطى فقيدهم جواز المرور المؤكد إلى الجنة.
     أن موقف أولياء الدم و الشريعة الإسلامية هنا يشبه إلى حد ما أن تطالب بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة لمن قام بإنقاذ حياتك.
     هذا عن موقف الشريعة و أولياء الدم فماذا عن صاحب الشأن؟ .. ترى ماذا يقول المرء لقاتله حينما يلتقيان على مشارف الحشر؟ .. أيقول له : شكرا؟
     صحيح أن شكر القاتل على خدماته الجليلة يوقعنا في التباس آخر لا يقل تعقيدا و غرابة عن الأول .. و للخروج من هذه الالتباسات المعقدة نقول : لعل لله حكمة لا نعلمها حينما أختار لنا الوقوع في الالتباس الأول لا الثاني.
مقاربة رياضية
     في الجدول المرفق تصور افتراضي نظري مبسط يستبعد مثلا أن يتقاتل السبتريان أو أن يتقاتل السبطشيان أو أن يقتل أحدهما المسالمين و المحايدين إلا خطأ .. أو أن يتقابل المدافعان من الفريقين .. و لكن واقعيا فالعنف في المرحلة السبطشية خاصة كان منفلتا و لا مبالغة إذا ما لون الجدول كله بلون واحد يمثل احتمال وقوع القتل الخطأ بالإضافة إلى احتمال وقوع القتل العمد .. و إذا ما اعتمدنا هذا التصور فنحن إذن أمام حوالي [576] فئة أو نوع من الضحايا المختلفين .. و الاختلاف هنا جاء من اختلاف وجهة النظر الخاصة لكل متأمل للقاتل موقفا أو دافعا و للضحية موقفا أو دافعا و للقتل ما إذا كان عمدا أم خطأ في كل واقعة قتل على حدة.
    أما كيفية حسابها فذلك بوضع حرفي خ ، ع أي (خطأ ، عمد) في كل مربع فيكون مجموع تكرارات الحرفين =عدد مربعات الصف × عدد مربعات العمود × عدد الحروف في كل مربع .. فنحصل بذلك على 16 × 18 × 2 = 576 فئة من وقائع القتل المختلفة .. أي [576] تأويلا محتملا لما يقصده الليبي بالشهيد.
     و هكذا تتضح لنا ضخامة المأزق المترتب على رفع الشعار : (دم الشهداء ما يمشيش هباء) الذي يرفع غالبا بروح ثأرية بدائية جدا ..إذ لهذا الشعار حوالي [576] تأويلا مختلفا .. مع ملاحظة تصنيف آخر تم تجاهله في الجدول للتبسيط يمكن أن يضاعف هذا الرقم : في ما يخص التجربة السبطشية و هو اختلاف تقييم الضحايا و القتلة قبل مقتل القذافي عنه بعد مقتله.. أما في المرحلة السبترية فتحديد القاتل و الضحية و نوع القتل أشد وضوحا و لكن ثمة تقييم تم تجاهله أيضا و هو اختلاف تقييم الضحايا و القتلة قبل (أصبح الصبح) .. أي خلال فترة العنف الثوري كما سماها القذافي نفسه .. أي مرحلة صعود منحنى الاحتقان عنه بعدها .. أي مرحلة هبوط ذلك المنحنى.
الشهادة في ليبيا دالة في الزمن     
     يبين الجدول المرفق (16) فئة في صف القتلة و (18) فئة في عمود الضحايا (الشهداء المحتملين) .. تتكرر فيهما بعض الفئات و يختلفان في البعض الآخر .. و قد صنفت الفئات حسب ثلاثة محددات هي الدافع (أي المبررات التي أقنع المرء بها نفسه لينضم إلى فئة معينة) .. و الموقف (محارب أي في حالة هجوم .. مدافع عن نفسه .. منضم إلى فئة معينة و لكنه مسالم .. محايد .. محايد اضطر للقتال دفاعا عن نفسه) .. و النية أو التظاهر (أي أن الانتماء للسباطشة أو للسباترة إما اقتناعا أو لتحقيق مآرب أخرى غير المآرب المعلنة .. " .... ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها ...."(1) .. و هناك محدد رابع هو الاختيار أو الاضطرار حيث استخدمت صفة (مرغم) أو لم تستخدم.    
    و يمكن تقسيم المرحلة من 1/9/1969  حتى الآن إلى أربع مراحل فرعية لتبيان أن الشهادة عند الليبي دالة في الزمن و ليتأكد لنا كم هي ملتبسة في ليبيا لفظة شهيد هذه :
(أ) مرحلة ما قبل (أصبح الصبح) .. أي مرحلة العنف الثوري .. أي مرحلة صعود منحنى الاحتقان حتى بلغ أعلى مستوياته في 1988.
(ب) مرحلة ما بعد (أصبح الصبح) حتى 17/2/2011 : هبوط منحنى الاحتقان .. (انظر مقال 6 : الغرابيل المعلقة).
(ج) المرحلة من 17/2/2011 حتى مقتل القذافي.
(د) المرحلة ما بعد مقتل القذافي.
     و يمكن تصنيف القتلة و القتلى في المراحل الأربع حسب ما جاء في الجدول و ذلك حسب محددات الدافع و الموقف و النية و التظاهر و الاضطرار و الاختيار .. على النحو التالي :
1 ــ سبتري يحب القذافي مبادر بالحرب  (نجده في صف القتلة و في عمود الضحايا .. أي يمكن أن يكون قاتلا أو قتيلا أو قاتلا ثم قتيلا): تشمل هذه الفئة كل من دافع عن القذافي قديما أي قبل 2011 أو حديثا بعد هذا التاريخ بحمل السلاح أو بالتحريض على حمله حبا في القذافي شخصا أو فكرا أو نظاما أو خوفا من تهمة الخيانة إذا ما تخلي عن القذافي بعد العشرة الطويلة.
2 ــ سبتري يكره البديل مبادر بالحرب (نجده في صف القتلة و في عمود الضحايا): تشمل هذه الفئة من واجه السباطشة قديما أو حديثا بحمل السلاح أو بالتحريض على حمله حرصا على مكانة أو منفعة أو خوفا من استيلاء قوى أخرى لا يريدها على السلطة و البلاد (مثلا كرها للناتو بما يثيره في الذاكرة من عداء للغرب أو كرها للتيارات الإسلامية ... الخ) أو نكاية في بعض المناطق أو القبائل أو نكاية على مستوى الأقاليم .. (انظر المقال 10: ظلال و ملامح).  
3 ــ سبتري مرغم مبادر بالحرب (نجده في صف القتلة و في عمود الضحايا): تشمل هذه الفئة من أرغم أو أقحم (على اختلاف في المعنى) على مواجهة السباطشة قديما أو حديثا بحمل السلاح أو بالتحريض على حمله و هو لا يريد ذلك كرها في القذافي أو حبا في التغيير أو كرها في العنف .. و الأرغام أو الإقحام ربما جاء بسبب التورط مع النظام في أمور يخشى كشفها و يخشى من ثم العقاب  .. و تلتبس هذه الفئة مع فئة المحايد المضطر للقتال.
4 ــ سبتري يحب القذافي  مدافع عن نفسه (نجده في الصف و في العمود): هذه الفئة هي نفسها الفئة رقم (1) من حيث الدوافع و لكن الاختلاف في الموقف حيث أن الموقف هنا موقف دفاع عن النفس.
5 ــ سبتري يكره البديل مدافع عن نفسه (نجده في الصف و في العمود): هي نفسها الفئة رقم (2) من حيث الدوافع و لكن في موقف الدفاع عن النفس.
6 ــ سبتري مرغم مدافع عن نفسه (نجده في الصف و في العمود): هي نفسها الفئة رقم (3) من حيث الدوافع و لكن في موقف الدفاع عن النفس. 
7 ــ سبطشي يكره القذافي مبادر بالحرب (نجده في الصف و في العمود): تشمل هذه الفئة من واجه القذافي قديما .. أي قبل 2011 .. أو حديثا بحمل السلاح أو بالتحريض على حمله من الذين يكرهون القذافي شخصا أو فكرا أو نظاما من طلاب الثأر و من المتضررين من حكمه أو من الرافضين له و لحكمه ليس إلا. 
8 ــ سبطشي يحب البديل مبادر بالحرب (نجده في الصف و في العمود): تشمل كل من واجه القذافي قديما أو حديثا بحمل  السلاح أو بالتحريض على حمله حالما بحكم ليبيا و المنطقة من أصحاب الفكر الشمولي و المشاريع العابرة للقارات أو حبا في التغيير علما بأن هذه الفئة تفترق عند هذه النقطة إلى فئات جزئية عديدة حيث ليس هناك  تصور محدد للتغيير و لا للبديل يجمعهم بل أن تصوراتهم كانت متعارضة أحيانا .. ففي هذه الفئة حديثا مثلا أي في المرحلة السبطشية (بعد 2011) تجد الجهادي الذي يجهر بعدائه للصهاينة و الأمريكيين يعمل مع هنري ليفي الصهيوني العتيد و يقاتل تحت طائرات أمريكا و يقاتل بجانبه العلماني و الملحد .. و عد ذلك من قبل السباطشة في حينه دليل صحة و عافية!! و لكن بعد مقتل القذافي صار دليل مرض عضال .. ذلك لأن هذا الكوكتيل غير المتجانس كان يؤمن كما يبدو بالمقولة : الغاية تبرر الوسيلة.  
9 ــ سبطشي مرغم مبادر بالحرب (نجده في الصف و في العمود): تشمل كل من اضطر لمواجهة القذافي قديما و حديثا بحمل السلاح أو بالتحريض على حمله مرغما أو مقحما (على اختلاف في المعنى) و هو لا يريد ذلك حبا في القذافي أو خوفا من البديل أو خوفا من تهمة الخيانة أو كرها في العنف أو خوفا من العقوبة في حال الفشل في إسقاط النظام .. و تلتبس هذه الفئة مع فئة المحايد المرغم على القتال.
10 ــ سبطشي يكره القذافي مدافع عن نفسه (نجده في الصف و في العمود): هي نفسها الفئة رقم (7) من حيث الدوافع و لكن في موقف الدفاع عن النفس. 
11 ــ سبطشي يحب البديل مدافع عن  نفسه (نجده في الصف و في العمود): هي نفسها الفئة رقم (8) من حيث الدوافع و لكن في موقف الدفاع عن النفس.
12 ــ سبطشي مرغم مدافع عن نفسه  (نجده في الصف و في العمود): هي نفسها الفئة رقم (9) من حيث الدوافع و لكن في موقف الدفاع عن النفس.
13 ــ مــــقــــــــلــــد مبادر بالحرب (نجده في الصف و في العمود): كل من واجه القذافي قديما أو حديثا بحمل السلاح أو بالتحريض على حمله و سبطشيا (بعد 2011) مثلا تشمل من استفزتهم النكتة المعروفة المنحولة على الأرجح للتوانسة .. (انظر المقال 10: ظلال و ملامح).
14 ــ مقلد مدافع عن نفسه (نجده في الصف و في العمود) هي نفسها الفئة رقم (13) و لكن في موقف الدفاع عن النفس.
15 ــ انـــــتـــهــازي (وضع في صف القتلة فقط): تشمل اللصوص (الهلاتة) و المتطفلين على الحروب من لصوص الخردة و المنازل و المجرمين الفارين من السجون و تجار المخدرات و غيرهم .. و تشمل أيضا من الإعلاميين و المثقفين ركاب الموجة الباحثين عن الشهرة الرخيصة و الباحثين عن المغامرة أو التسلية و لو باللعب بالجماجم و بمستقبل الوطن .. و تشمل من يقومون بالاغتيال مقابل المال أو المنفعة الشخصية أو لمصلحة بعض المناطق أو القبائل .. و تشمل أيضا من العرب و الأجانب الطامحين للاستفادة من تهاوي النظام و البلاد لتحقيق مكاسب متنوعة و متعددة .. و لم يوضع الانتهازيون في عمود الضحايا رغم أن منهم من قتل لأنه لا خلاف على إخراجهم من قائمة الشهداء .. و نلاحظ شيئا من الالتباس أو التداخل بين الفئتين : المقلد و الانتهازي.
16 ــ مــــــــــنــــدس (وضع في صف القتلة فقط): تشمل كل من قتل و نسب القتل إلى غيره ليؤجج الحرب (قبل مقتل القذافي) و كل من فعل ذلك (بعد مقتله) خلال الصدام مع المليشيات بالإضافة إلى عمليات الاغتيال من قبل المخابرات المحلية و العالمية و المتشددين خصوصا الوافدين من الخارج و احتمال تورط أبناء بعض القبائل و المناطق في الاغتيالات لزعزعة استقرار بعض الأقاليم ثأرا أو لإزاحة المناطق و الأقاليم المنافسة من أمام مناطقهم .. و لم يوضعوا في عمود الضحايا رغم أن منهم من قتل لأنه لا خلاف على إخراجهم من قائمة الشهداء .. و يلاحظ بعض التداخل بين الفئتين : الانتهازي و المندس.
17 ــ سبتري مسالم (نجده في عمود الضحايا فقط): تشمل كل السباترة المسالمين من تسبتر حبا في القذافي أو خوفا من البديل أو لأية دوافع أخرى.
18 ــ سبطشي مسالم (نجده في عمود الضحايا فقط): تشمل كل السباطشة المسالمين من تسبطش لأية دافع من الدوافع المعروفة.
19 ــ مـــحـــايــد (نجده في عمود الضحايا فقط): تشمل المحايدين الرافضين لخيارات السباترة و السباطشة على السواء و كذلك بقية المحايدين على اختلاف دوافع الحياد لديهم.
20 ــ محايد أرغم على القتال (وضع في عمود الضحايا فقط): تشمل من لم يتسبتر و لم يتسبطش (نية) و اختار الحياد لأي دافع من الدوافع و لكنه وجد نفسه في موقف الدفاع عن نفسه .. و لم يوضع في صف القتلة رغم أنه قد وقع منه القتل لأنه إنما اضطر لذلك اضطرارا.
ملاحظات عامة :
1 ــ أنا مدين بالاعتذار الشديد لذوي ضحايا هذه الحرب و محبيهم .. فقد يبدو لهم في فكرة المقاربة الرياضية لموضوع الشهيد و الشهادة قدر من التهكم .. و لعل لسان حالهم يقول : كيف تتم مقاربة مصائبنا رياضيا بما في الرياضيات من صرامة و صدق جارح  و نحن قد اعتدنا أن نقارب مصائبنا باستلامنا العجيب لما ندعوه بالقدر و بامتثالنا الأعجب لما تمخضت عنه كوابيس العرافين و مزج كل ذلك بالقصائد و بالتفاؤل الساذج؟
     و مع أنني قد طلقت السخرية الطلاق الأسلوبي إلا إنني لا أنكر رفة الشارب حينما أرى مطلقتي تطل من الشرفة .. و لكن ليس هذا ما دفعني لهذه المقاربة .. بل إن مقاربتي لموضوع الشهيد و الشهادة بالحساب و الرسوم البيانية جاءت تعبيرا ربما جنونيا عما أحس به من المرارة.
      إذا كان القارئ يأخذ بالمبدأ النقدي : (موت المؤلف) حيث لا قيمة إلا لما يقوله النص .. فالنص لا تهكم فيه .. و يمكن حمل كل ما جاء به محمل الجد .. أما بالنسبة للانطباع الذي يمكن أن توحي به الفكرة نفسها فإني أكرر اعتذاري الشديد إذا كان هذا القارئ يصر على أنه لا توجد مقاربة أفضل من المقاربة المعتادة بخلطتها العجيبة.
2 ــ إنني هنا أحاول أن أخمن تقييم الله لمخرجات هذا الصراع أو التناحر مركزا على الضحايا أكثر من القتلة .. و أحاول أن أحافظ على حيادي فلا أخرج من عمود الشهداء و لا من صف القتلة إلا من أحس بوجود إجماع على إخراجه .. و حرصي هذا بدافع الموضوعية في إظهار كم هي شاسعة و مخيفة تلك الفجوة التي تتشعب بين الليبيين لتفصل بينهم ..  و من يحرص على الحياد و الموضوعية يعرض نفسه لهجوم مضاعف .. حيث تتفق كل الأطراف التي لا اتفاق بينها على سحقه.
     ينبغي الانتباه إلى أن المقاربة الرياضية قد أظهرت وجود 576 مفتاحا .. يدعي كل حامل لمفتاح منها أنه يمتلك المفتاح الخاص بأحدث قفل من أقفال الجنة أما بقية المفاتيح فيراها مفاتيح مزيفة أو لأقفال قد تم إلغاؤها .. و ذلك يظهر أن المشكلة لغوية بالدرجة الأولى .. و لا عجب .. فمعظم أزماتنا لغوية المنشأ.
     لا ننسى في هذا السياق المقاربة الدينية التي هي مقاربة لغوية في الأساس لأن النص الديني حمال ذو أوجه و معظم أوجهه لغوية بالطبع .. في هذه المقاربة سوف يبرز إلى الواجهة الحديث الشريف : "إذا اقتتل المسلمان فالقاتل و المقتول في النار" .. هذا الحديث يحسم الأمر تماما و يجعل من المقاربة الرياضية أثرا بعد عين .. و لكن هذا الحديث ليس نهاية القول .. فقد يواجه حتى من داخل مجاله ببعض التحفظات : من قائل بأنه لا ينطبق على الحالة أو قائل بأنه ضعيف أو قائل بأنه منسوخ لوجود نصوص من القرآن أو السنة لا تتسق معه.
3 ــ لم تحدد نهاية المرحلة السبطشية (في أعلى الجدول المرفق و في هذا المقال) رغم تشعب الصراع بعد ما يسمى بعمليتي الكرامة و فجر ليبيا ما يعطي انطباعا بأن هذا المقال متأخر عن الحاضر .. أي أنه مجرد مقياس زلازل يخبرك بشدة الزلزال فيما أنت تعاين آثاره.
      في الواقع هذا صحيح .. فمقالات هذه المجموعة متخلفة عن الحاضر .. أي أنها ليست مواكبة لما يحدث الآن .. و لكنني أزعم بأنها ليست متأخرة عن المستقبل!!!.. و عموما فالمرحلة السبطشية مستمرة عرفيا حتى يتوقف الاحتفال بذكرى 17 فبراير و الاحتفال بتحرير هذه المنطقة أو تلك .. و من المتوقع أنه لن تمضي سنوات حتى يتحقق هذا و قد مال الرأي العام شيئا فشيئا للقول بأن ما حدث و يحدث حرب أهلية أو فتنة أكثر من كونه ثورة.
4 ــ يمكن أن ينتمي المرء لأكثر من فئة في آن .. فقد يجمع السبتري مثلا بين حب القذافي و كره البديل فيكون منتميا إلى الفئتين (1 ، 2) في آن .. أو أن يجمع بين كره القذافي و كره بديله المحتمل (قبل مقتله) و بديله الواقع (بعد مقتله) فينتمي بذلك للفئتين (2 ، 7) .. معا و هذا الكاره للخيارين يمكن وصفه بالمحايد الرافض أو الثالث اللا رمادي .. و يمكن أن ينتقل المرء من فئة إلى أخرى و هؤلاء هم المتحولون.
5 ــ عد سبطشيا من العرب و الأجانب كل من قاتل في صف السباطشة أو عبر عن تعاطفه معهم .. و عد سبتريا من العرب و الأجانب كل من قاتل في صف السباترة أو عبر عن تعاطفه معهم.
6 ــ نسبة العرب و الأجانب على الضفة السبطشية أكبر من نسبتهم على الضفة السبترية .. فالقطريون و الإماراتيون و الناتو سباطشة بلا شك .. بينما السباترة العرب و الأجانب يراوح وجودهم بين الاحتمال و الإشاعة.
7 ــ يعتبر الانتهازي من السباطشة و لكنه ليس صريح السبطشة و كذلك المندس : " ...... إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر"(2).
8 ــ ينظر غلاة السباطشة للمنشقين و هم سباطشة أيضا نظرة دونية .. و لذلك يقولون عنهم : "يصلون معنا و لا يصلون بنا" ، و يقولون أيضا : "عفوا الانشقاق صك توبة و ليس صك ثقة" .. وهكذا ينطبق على السباطشة قوله تعالى : "تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى". الحشر14
9 ــ من الملاحظ أثناء توصيف الفئات حدوث الالتباس و التداخل بين بعضها .. و التباس الانتهازي مع المقلد من جهة و مع المندس من جهة أخرى على سبيل المثال لا يثير الدهشة .. فكل من يستغل اندفاع الجموع لخدمة أجندته أو قناعاته متهم بالانتهازية .. و كل انتهازي قد يلجأ لأساليب المندسين القذرة.
10 ــ بالتأمل يمكن اعتبار التقليد المحرك الأهم للصراع السياسي في ليبيا في التجربتين السبترية و السبطشية على الأقل .. كما يلاحظ التأثير الكبير للعامل المكاني المشوب بالعامل الاجتماعي  .. (انظر المقال 10: ظلال و ملامح).
أمثلة توضيحية :
     الأمثلة من 1 إلى 4 من الفترة السبترية و استخدم فيها المصطلحان : السباطشة و السباترة بأثر رجعي.
1 ــ أين يوضع ضباط الجيش الذين حاولوا الانقلاب على القذافي في بداية سبعينيات القرن الماضي و تم إعدامهم؟
    هم من السباطشة و أقرب الفئات التي ينتمون إليها فئة السبطشي المحارب (كاره للقذافي أو محب للبديل أو الدافعان معا) أو فئة المقلدين المبهورين بهالة المجد التي جللت أو تجلل الانقلابيين الناجحين مثل جمال عبد الناصر و معمر القذافي نفسه و قد يكون من بينهم بعض الانتهازيين و خاصة من ذوي التوجه الجهوي أو طمعا في جلب منفعة شخصية .. و قد يكون من بينهم من لفقت له التهمة و هو برئ منها فهو من السباطشة المسالمين أو من المحايدين .. و نجدهم في عمود الضحايا من لم يكن منهم انتهازيا .. و يمكن وضعهم في صف القتلة إن كانت لديهم نية باستعمال العنف لتحقيق مآربهم .. و قاتلهم المباشر معمر القذافي كبير السباترة و أدواته و قاتلهم غير المباشر من كشف أمرهم و هو مصطفى الخروبي حسبما كان متداولا و هو من السباترة أيضا .. و ربما فعل ذلك حبا في القذافي أو كرها في البديل أو بانتهازية على خلفية جهوية حيث أن معظم أولئك الضباط ليسوا من الجهة التي ينتمي إليها الخروبي .. أو بانتهازية نفعية محافظة على مكانة .. أو بكل هذه الدوافع مجتمعة .. و قتلهم عمد .
2 ــ أين يوضع قتلى الجيش الليبي في تشاد؟
    هم خليط من السباترة المحاربين و المرغمين و المحايدين المضطرين للقتال و السباطشة الذين يكتمون سبطشتهم .. و منهم من يوضع في الصف و العمود معا و منهم من يوضع في العمود فقط لأنه إنما اضطر للقتال اضطرارا .. هذا بمنظور الليبي أما بمنظور التشادي فجميعهم قتلة لا مكان لهم في عمود الضحايا .. عمود الشهداء المحتملين.
3 ــ أين توضع ضحايا عملية باب العزيزية؟
    هذه العملية وقعت في العقد الثامن من القرن العشرين قبل (أصبح الصبح) .. أي في فترة صعود منحنى الاحتقان و موقع منفذيها القتلى في صف القتلة و عمود الضحايا أما انتماؤهم فعلى الأرجح للفئتين : (7 ، 8) و نوع قتلهم قتل عمد أما قاتلهم فهو من الفئات رقم (1 ، 2 ، 4 ، 5).
4 ــ أين يوضع قتلى غارة ريغان على ليبيا؟
    هذه الغارة وقعت في العقد الثامن من القرن العشرين قبل (أصبح الصبح) و ضحاياها خليط من السباترة و من السباطشة المسالمين و المحايدين و قاتلهم من السباطشة الأجانب و سباطشة الخارج من الليبيين المحرضين عليها.
5 ــ أين يوضع حمد أمير قطر و برنار هنري ليفي؟
    مكانهما في صف القتلة فقط و هما من السباطشة و أقرب الفئات إليهما فئة الانتهازي.
6 ــ أين يوضع قتلى الكتائب المحاصرة (كتيبة الفضيل مثلا)؟
   نجدهم في صف القتلة (بتحفظ) و في عمود الضحايا و نوع قتلهم خطأ أو عمد و قاتلهم من فئات السباطشة المحاربين بالإضافة لفئتي الانتهازي و المندس .. وقتلى الكتائب ينظر إليهم السباطشة باعتبارهم سباترة بل هم خليط : فمنهم السبتري بنوعيه (المحب و الكاره) و السبطشي بنوعيه (المحب و الكاره) و منهم المحايد المرغم على القتال أي الذي ينتمي إلى الفئة رقم (20) .. و لكنهم متحدون في الموقف .. فقد كانوا في موقف الدفاع عن النفس.
7 ــ أين يوضع المهدي زيو؟
    هو من السباطشة المحاربين (كاره أو محب أو الدافعان معا أو من المقلدين) .. قد نجده في عمود الضحايا (الشهداء) مع مراعاة أن الإسلام يحرم الانتحار عموما .. و نجده أيضا في صف القتلة إن ترتب على ما قام به وقوع قتلى بصورة مباشرة أو غير مباشرة بأن سهل بعمله لآخرين عملية القتل عن قصد منه .. و قاتله المهدي زيو نفسه .. و قتله عمد (انتحار).
8 ــ أين يوضع عبد الفتاح يونس؟
     نجده في صف القتلة و في عمود الضحايا و هو من السباطشة و أقرب الفئات لعبد الفتاح يونس الفئة رقم (9) سبطشي مرغم أو مقحم مبادر بالحرب .. و نوع القتل قتل عمد .. و قاتله محتمل الوجود في فئات السباطشة المحاربين بالإضافة لفئتي الانتهازي و المندس حسب قائمة المتهمين و ما هو متداول  .. و عبد الفتاح على الأرجح مقحم و كان تدخله في البداية بدافع إنساني وطني و قد نجح في إنهاء مذبحة عبثية ناتجة عن مواجهة بين جموع معبأة ضلت طريقها فانتهى بها مسارها إلى المعسكر بدلا من الساحة و بين عسكريين يخشون عواقب الفشل في إسقاط النظام و ليس أمامهم إلا القتال دفاعا عن النفس و قد وجدوا أنفسهم محاصرين من هذه الجموع الهائجة و غير المتجانسة و لا محددة الهوية و التي لا تقودها قيادة معينة و المحشوة بالمندسين و هي على استعداد لقتل من يفتح أبواب المعسكر أمامها .. ربما انتقل عبد الفتاح يونس بعد ذلك إلى الفئة رقم (7) أو رقم (8).
9 ــ أين يوضع أبو بكر يونس؟
     نجده في صف القتلة و في عمود الضحايا و هو من السباترة المحاربين و ربما حين موته كان من السباترة المدافعين عن أنفسهم و قتله عمد و قاتله من السباطشة المحاربين ليبيين أو أجانب.
10 ــ أين يوضع قتلى بني وليد إثر القرار رقم 7؟
     هم خليط من كل فئات عمود الشهداء المحتملين .. و لكن يغلب عليهم موقف الاضطرار للقتال أو موقف المسالمة .. و قاتلوهم خليط من كل فئات صف القتلة باستثناء فئات السباترة .. و قتلهم عمد.
11 ــ أين يوضع عبد السلام المسماري؟
      نجده في عمود الضحايا .. و هو حسب مواقفه المعلنة من السباطشة بنوعيهم (المحب و الكاره) أو من المقلدين .. و نجده في صف القتلة أيضا إذا كان محرضا على اقتتال الليبيين مفاخرا به ممجدا له أي كان من السباطشة المحاربين و إن لم يفعل فهو سبطشي مسالم .. و قتله عمد .. و قاتله محتمل الوجود في فئات السباطشة المحاربين بالإضافة لفئتي المندس و الانتهازي و خاصة الليبي ذي التوجه الجهوي أو القاتل بثمن أو الانتهازي الليبي أو الأجنبي من ذوي التوجهات الأيديولوجية العابرة للقارات أو من الاستخبارات المحلية أو الأجنبية .. و ربما يتوقع البعض أن قاتله من السباترة.
12 ــ أين يوضع عبدالله هارون عبدالله؟
       لم يمجد اقتتال الليبيين و قد حذر منه قبل وقوعه .. و لم يحتفل به .. و لم يغطس أصبعه في حبر الخديعة في المرات الثلاث (انظر مقال 4 : الغرابيل الخمسة) .. و لم يقسم أمهات القتلى إلى أمهات شهداء و أمهات الذاهبين إلى الجحيم .. و لذلك فلا مكان له في صف القتلة .. و هو ليس في عمود الضحايا بالمعنى الحرفي و إن كان مثل جل الليبيين قد تضرر مما حدث .. و هكذا فأقرب الفئات إليه الفئة الناتجة من تقاطع الفئتين المسالمتين : (فئة الكارهين للبديل و الكارهين للواقع) أي المحايد الرافض أو الثالث اللا رمادي .. و الله أعلم!!!!.
خريف 2014
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1، 2) إشارة لحديثين شريفين معروفين :
الأول : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "الأعمال بالنية، ولامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".
    ورد هذا الحديث في صحيح البخاري بصيغ متقاربة سبع مرات على الأقل.
الثاني : "........ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بلال، قم فأذِّن: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإن الله ليؤيِّد هذا الدين بالرجل الفاجر".
    وردت هذه العبارة بصيغ متقاربة في صحيح البخاري ثلاث مرات على الأقل من حادثة انتحار أحد المسلمين الذين أبلوا بلاء حسنا في فتح خيبر و لكنه لم يصبر على جراحه .. و قد أخبر الرسول  صلى الله عليه وسلم بدخول هذا الرجل النار قبل أن ينقل إليه خبر انتحاره.
     و بين الحديثين توافق و تكامل على ما يبدو فكأنهما يقولان : سواء أكان خروجك في سبيل الله  أم في سبيل الدنيا و سواء أكنت مؤمنا أم لا فإن ذلك يصب في مصلحة الإسلام ما دمت قد خرجت على أية حال .. و هذا ما ينطبق على التجربة السبطشية و على السباطشة باختلاف أطيافهم .. فمهما كان الهدف أو الرؤية التي خرج من أجلها السبطشي حتى و إن خرج (للهلت) فقد ساهم بخروجه في إسقاط القذافي! ، !! ، !!! ، ........


الفهرس الثاني

  يسمح بإعادة نشر أي من محتويات المدونة بشرطين  : الشرط الأول : عدم التصرف في المادة المنشورة الشرط الثاني : الإشارة للمصدر عبد الله ...