ألغاز
السنوسية
3
أحادية المصدر وانحيازه في سيرة محمد بن علي السنوسي
المراحل ومصادر المعلومات
ولد محمد بن علي السنوسي ــ كما أخبر بنفسه
منفردا ــ بإحدى ضواحي مستغانم بالجزائر سنة 1787م، وتوفي ــ كما هو معروف ومتواتر
ــ بالجغبوب ببرقة سنة 1859م؛ وعلى هذا فقد عاش 72 سنة يمكن تقسيمها ــ من حيث
مصادر معلوماتها ــ إلى مراحل على النحو الآتي :
المرحلة الأولى :
يمكن
تسميتها (المرحلة الجزائرية المغربية) : تمتد من ميلاده حتى مغادرته الجزائر في
التشريقة الأولى سنة 1830م؛ وهي السنة التي بدأ فيها الغزو الفرنسي لبلاده
الجزائر، ومدتها 43 سنة، ومعلوماتنا عنه فيها مصدرها الوحيد محمد بن علي السنوسي.
المرحلة الثانية :
من المغادرة حتى بناء الزاوية السنوسية
الأولى في مكة؛ أي من 1830 إلى 1837م؛ ومدتها 7 سنوات، وتظل أحادية المصدر قائمة، وعليه يمكن القول بأن معلوماتنا بهذه المرحلة
مصدرها الوحيد في الغالب محمد بن علي السنوسي أيضا، وثمة معلومات ربما تكون منقولة
عن آخرين غير محمد بن علي السنوسي منها على سبيل المثال :
1 ــ ما كتبه المؤرخ التركي
شهبندر زاده أحمد حلمي (1865م ــ 1914م)، عن أثر الزيارة الأولى لمصر على محمد بن
علي السنوسي(1/ ص 39)،
وهو ــ بالنظر لتاريخ ميلاده ــ ليس بشاهد عيان بل هو ناقل إما عن محمد بن علي
السنوسي أو بعض مريديه أو عن معاصري الزيارة من شيوخ الأزهر.
2 ــ ما ذكره محمد عبده (1849م
ــ 1905م) في كتابه (الإسلام والنصرانية) عن ردة الفعل العنيفة من بعض شيوخ الأزهر
على أراء محمد بن علي السنوسي المثيرة للجدل(1/ ص 65، 66)؛ وبالنظر لتاريخ ميلاده فهو ليس بشاهد
عيان، وينطبق عليه ما ينطبق على المؤرخ التركي.
المرحلة الثالثة :
الممتدة من بناء الزاوية الأولى سنة 1837م
حتى وفاته في 1859م؛ ومدتها 22 سنة، وتخللها حلوله ببرقة في التشريقة الثانية،
وبناء الزاوية البيضاء سنة 1257هـ التي توافق 1841م على الأرجح(*)، وفيها بدأت مصادر المعلومات في التعدد شيئا فشيئا، فما
وصلنا من معلومات تتعلق بأحداث هذه المرحلة منها ما رواه شهود عيان من مريديه وأبنائه،
ومنها ما رواه غيرهم؛ على سبيل المثال :
1 ــ ما دونه مرافق محمد بن علي السنوسي الشيخ محمد بن صادق
البكري من بعض أحداث التغريبة الأولى بعد تأسيس الزاوية الأولى(2/ ص 39)، ولعل الشيخ البكري
أول شاهد عيان يدلي بما شهد كمصدر مستقل وليس مجرد ناقل، ولكن ــ فيما أعلم ــ لا
أحد من مؤرخي السنوسية اعتمد على هذه المخطوطة، ولا أحد قام بتحقيقها.
2 ــ ما كتبه محمد بلو عن
عودة محمد بن علي السنوسي إلى برقة في التغريبة الثانية ونزوله بالعزيات(1/ ص 63، 64).
3 ــ ما رواه محمد بن الشفيع لأحمد الشريف عن التغريبة
الأولى، وقد كان الأول مرافقا لمحمد بن علي السنوسي في تلك الرحلة(1/ ص 55).
من استعراض هذه المراحل نجد أن مدة المرحلتين
الأولى والثانية نصف قرن، بينما بلغت مدة المرحلة الثالثة 22 سنة، وهكذا فإن الجزء
الأكبر من حياة محمد بن علي السنوسي معلوماتنا عنه مصدرها الوحيد إجمالا هو محمد
بن علي السنوسي نفسه؛ أي أن هذه المعلومات أحاديث آحاد انفرد بها راو وحيد ذو
مصلحة.
أقول هذا ولا ادعي الاطلاع على كل ما كتبه مؤرخو السنوسية، ولذلك فالمجال مفتوح أمام من يخالفني الرأي لتذكيري ــ مشكورا ــ بأي مؤرخ جاء بمعلومات عن محمد بن علي السنوسي تتعلق بأحداث قبل تأسيس الزاوية السنوسية الأولى في مكة، كان هذا المؤرخ شاهدا عليها، لا أن يكون مجرد ناقل عن محمد بن علي نفسه.
صمت الفئات الأربع المريب
أخبر محمد بن علي السنوسي فيما نقل عنه أنه
درس وقام بالتدريس وتولى المشيخة في المرحلة الأولى، فإذن يمكن الحديث عن أربع
فئات من الأشخاص الذين ارتبطوا بعلاقة ما بمحمد بن علي السنوسي :
الفئة الأولى :
أقاربه ومعارفه من الناس العاديين الذين لا
علاقة لهم بالدراسة والتدريس.
الفئة الثانية :
شيوخه الذين تلقى العلم على أيديهم،
بالإضافة إلى زملائهم من الشيوخ الذين لم يكونوا من شيوخه ولكنهم يعرفونه.
الفئة الثالثة :
زملاؤه في فترة الدراسة والتدريس.
الفئة الرابعة :
تلاميذه، وزملاؤهم الذين لم يكونوا من
تلاميذه ولكنهم يعرفونه.
من
المريب أن لا أحد من هؤلاء لحق به في برقة، أو أدلى بأية معلومات تؤكد أو تصحح أو
تكذب ما أدلى به محمد بن علي السنوسي في المرحلتين : الأولى والثانية من معلومات
عن نفسه، ألا يفتح صمت الفئات الأربع هذا باب
الشك في صحة ما أخبر به ابن السنوسي عن نفسه؟.
يضاف إلى هذا أن محمد بن علي كان على تواصل في
المرحلة الثالثة مع الزاوية التكوكية السنوسية في الجزائر، وكان داعما للمقاومة في
الجزائر، ومع ذلك لم يستقدم أحدا من أقاربه إلى برقة وإنقاذه من المعاناة الناجمة
عن الاحتلال، خاصة؛ وأنه صار بمثابة رئيس دولة في الجغبوب حيث تتجمع بين يديه
ثروات برقة الوفيرة.
فهل الرجل قادم من المجهول؟ وقد فضل قطع الصلة بماضيه وبالناس الذين يعرفونه
ومنهم أقاربه خوفا من انكشاف سر ما؟.
ما يؤكد غموض المرحلتين : الأولى والثانية أن
الأشخاص ــ الذين اشتهروا في تاريخ الحركة السنوسية في المرحلة الثالثة والذين
أصولهم من الجزائر أو المغرب ــ التقى بهم أول مرة خارج المغرب والجزائر، أو وهو
يهم بمغادرة الجزائر، وفي كل الأحوال لم يكن لأي منهم سابق معرفة به؛ أي لا أحد
منهم من الفئات الأربع السابق ذكرها(3/ من ص 58 إلى ص 69).
قائمة الإخوان في برقة الذين ذكرهم المؤلف في
هذه الصفحات بها حوالي 30 إخوانيا من خارج برقة، وفي الحقيقة فإن عدد الإخوان
الذين جلبهم محمد بن علي السنوسي وجلبهم ابنه المهدي من بعده، من خارج برقة، وما
جلباه ممن يسمون بعبيد الإخوان كبير جدا يصل إلى الآلاف فيما يمكن تسميته
بالاحتلال الناعم لبرقة، انظر المقال :
الهوية البرقاوية والهوية السنوسية المشوشة 3 عالمية الحركة السنوسية وعدم إيمانها بوطن محدد.
الرابط :
http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2026/04/3.html
يذكر مؤلف (السنوسي الكبير) أسماء كثير من
شيوخ محمد بن علي السنوسي بالمغرب والجزائر(3/ ص 14، 15)، ولا أحد منهم لحق به في برقة، أو ذكر
ابن السنوسي في كتاب أو حديث، إنه الصمت المريب.
كما أنه لا أحد من معاصري المرحلة الثالثة من أهل برقة ولا من أهل طرابلس الذين اجتمعوا به؛ خاصة بعد اشتهار أمره في بداية المرحلة الثالثة، كلف نفسه عناء الذهاب إلى المنطقة التي ولد بها محمد بن علي السنوسي والمناطق التي ترعرع ودرس وقام بالتدريس بها كما يقول؛ للتبين وللتأكد من صحة المعلومات، لماذا فضل أهل برقة وأهل طرابلس هؤلاء تصديق ما يسمعون دون تبين؟، ولم نعلم حتى الآن : 2026م بأن أحد المهتمين في وقتنا هذا كلف نفسه هذا العناء وبحث في تلك البقاع، وخاصة في ارشيف جامعة القرويين بالمغرب.
مأزق الباحث في السنوسية
هذا
مأخذ مهم ونقطة ضعف معتبرة في مستوى الثقة في المعلومات يواجهان أي باحث في
السنوسية، فهل نحن ملزمون بتصديق ما يقوله الغريب
عن نفسه؟،
ولعل أفضل تعامل مع هذا المأخذ ونقطة الضعف هذه هو أن ننظر إلى المعلومات التي بها تزكية لابن علي السنوسي
بتحفظ شديد، حتى تجود الظروف بباحث حقيقي جاد ينقب عن الحقيقة في المخطوطات
والوثائق كمصادر مستقلة، كتبها آخرون ليسوا بناقلين عن ابن السنوسي، والتي ذكرت
شيئا ما عنه في المرحلتين : الأولى والثانية إن وجدت هذه المصادر.
فمن المعلومات التي تكون محل تحفظ ــ على
سبيل المثال ــ ادعاؤه بأنه من نسل الأدارسة، ومن هذه المعلومات محل التحفظ أيضا
ادعاؤه بأنه درس وقام بالتدريس في جامع القرويين ونال مشيخته، وما شابه من المعلومات؛
مثل هذه المصادفة في توافق بيانات ميلاده وملابساته مع نظيرتها الخاصة بالنبي صلى
الله عليه وسلم؛ فقد ولد مثل النبي يوم الاثنين، ومثله يوم 12 ربيع الأول، ومثله
أيضا نشأ يتيما : "ولد رضي الله عنه يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول
سنة 1202 هـ 22 ديسمبر 1798 م (المتواتر حسب أغلب الناقلين 1787م) في بلد
(مستغانم) من الجزائر، وقد أثبت الرواة من ثقاة التاريخ السنوسي أنه ولد في نفس اليوم والشهر الذي
ولد فيه جده الأكبر صلى الله عليه وسلم ولذلك سمي "محمدا" ونشأ يتيما إذ
أن والده السيد علي توفاه الله ولم يبلغ وليده الفطام"(3/ ص 8).
لاحظ العبارة : "الرواة من ثقاة
التاريخ السنوسي"، فعن أي رواة ثقاة يتحدث؟، وهذه المعلومات تنتمي إلى المرحلة
الأولى حيث مصدرها الوحيد محمد بن علي نفسه؟!.
ومن المعلومات التي تقبل بدون تحفظ؛ لأنها لا تزكيه على الأقل، مغادرته بلاده الجزائر بمجرد بداية الغزو الفرنسي مدعيا أنه غادرها استجابة لرؤيا رآها تأمره بذلك : "فأراد الرجوع أولا إلى وطنه عله يستطيع أن يدفع عنه الضرر وأن يقاوم المحتلين، ولكنه سرعان ما عدل عن ذلك عندما جاءه في (رؤيا) مشهورة أن من الخير والواجب أن يستمر في سيره صوب الشرق"(1/ ص 36).
غفلة المغاربة والبراوقة
من الملاحظ كثرة الذين يدعون انتسابهم لآل
البيت من البربر لدرجة تثير
ــ على صفحات التواصل الاجتماعي ــ غضب حتى البربر أنفسهم من بني جلدتهم الذين يتنكرون لأصلهم وينتسبون
للعرب، ولم يقتصر أمر ادعاء الانتساب هذا على البربر والفرس بل توسع ليشمل الأوربيين؛
فهذا دومينغو
فرانثيسكو باديا ليبليش Domingo
Francisco Jordi Badía y Leblich المعروف بلقبه علي باي العباسي (1767 ــ 1818م) وهو رحالة وجاسوس ومغامر ومستشرق إسباني يدعي الانتساب
(للسادة الأشراف) أيضا.
تعلم باديا ليبليش اللغة العربية وعمل كاتبًا في برشلونة،
كما كان مسؤولاً عن مصلحة التبغ بقرطبة، وختن
نفسه في لندن على يد طبيب يهودي، ثم اتجه إلى
المغرب متنكراً في زي عربي، مدعياً أنه من السادة الأشراف وأنه
من مواليد حلب بالشام.
في 5 أبريل 1810 عين رئيسا لبلدية قرطبة من
قبل جوزيف بونابرت، حيث ادخل زراعة بنجر السكر والقطن والبطاطا،
واستمر في منصبه مدة 15 شهرا حتى 14 يوليو 1811. وفي عام 1816 انتشر مطبوع عمله Travel of
Ali-Bey في
ربوع أوروبا، والتي جمعت أسفاره في العالم العربي بين 1803 و1807، نشرت في مجلدين
في إنجلترا
وألمانيا وفرنسا.
وقام بالذهاب إلى مكة حاجا، وسنة 1818، وبعد تغيير اسمه إلى الحاج علي أبو عثمان ذهب إلى دمشق، وهناك كشفت أجهزة الاستخبارات
البريطانية أمره فدس له السم، وقد حُرم من الدفن الإسلامي لأنه تم العثور على صليب
في صدرته.
انظر الرابط :
كتاب باديا إي
ليبليش :
أما عن علاقته بجامع القرويين فعنه يقول
التازي : درس بجامع القرويين وانتقد مناهجه وطرق التدريس به(4/ ص 726).
رأينا كيف انطلت كذبة ليبليش على علماء الأنساب المغاربة بالرغم من أنه لم
يكن بالشخصية المغمورة، فعلام يدل ذلك؟، ولولا الاستخبارات البريطانية لكانت سلالته تحظى بالتقديس
والسيادة والشرف بيننا الآن، فكم من ليبليش نقدسه الآن لم يكشف أمره!! وامتد ادعاء الانتساب إلى (آل
البيت) حتى لملكة بريطانيا إليزابيث حيث ردد أكثر من واحد من شيوخ الأزهر منهم علي
جمعة بأنها تنحدر
من هذا النسب.
لذلك فالتحفظ إزاء انتساب محمد بن علي السنوسي لآل البيت أمر مبرر، خاصة؛ وقد رأينا غفلة المغاربة واستسهال قبول هذه الدعوى من المجاهيل والنكرات وحتى من الشخصيات غير المغمورة؛ مثل ما وقع مع باديا ليبليش الأسباني، أضف إلى ذلك أن محمد بن علي السنوسي مثل ليبليش ليس من المغرب أيضا.
جهينة فاس والقرويين
تمهيدا لاختبار صحة معلومة ذكرها محمد بن
علي السنوسي منفردا حتى الآن، تتناول علاقته بجامع القرويين، لابد من التعريف
بالحكم الذي يفضل اختياره للحكم على هذه المعلومة، هذا الحكم هو عبد الهادي التازي
من خلال كتابه : (في تاريخ المغرب، جامع القرويين، المسجد والجامعة بمدينة فاس، موسوعة لتاريخها المعماري والفكري) وهو رسالة دكتوراه.
تقول النبذة بالمجلد الأول من كتابه عنه : ولد بمدينة فاس 7 شوال 1339 هـ /
15 يونيو 1921 م. تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي ونال
شهادة العالمية من
جامعة فاس القرويين بدرجة متفوق جدا (1366 هـ ــ 1947م) وعين أستاذا بها ابتداء من
1/5/1948"(5/ صفحة قبل
المقدمة).
كما أنه وصف
كتابه المذكور بالموسوعة، وقد تناول جامع القرويين كثيرا في كتبه ومحاضراته
ومقالاته بحيث يستحق أن يلقب بـ (جهينة القرويين) الذي عنده الخبر اليقين.
يقول التازي
عن علاقته بالقرويين : "ذاك جامع القرويين الذي شدني إليه رحم لا تبلى،
حيث نشأت على مرأى منه ومسمع، وحيث قضيت فيه ردحا من أزهى أيام صباي وشبابي"(5/ ص 16).
وفي جامع القرويين الكثير من خزائن المخطوطات،
وثمة كتاب آخرون تحدثوا عن القرويين بمؤلفاتهم، وقد أشار التازي في كتابه إلى بعض
هذه المخطوطات وإلى هؤلاء المؤلفين وكتبهم :
مما ذكره من المخطوطات والكتب :
1 ــ السراج (محمد) : تراجم شيوخ القرويين منذ أول مجلس
علمي (مخطوط).
2 ــ ابن القاضي : جذوة
الاقتباس فيمن حل من الأعلام مدينة فاس 1309.
3 ــ الكتاني (ع.ح) : ماضي
القرويين ومستقبلها (مخطوط بالخزانة العامة) رقم 3354.
ومنها صحف ومجلات وما شابه، على
سبيل المثال :
4 ــ الفاسي العابد : خزانة
القرويين ونوادرها، المجلد 5، معهد المخطوطات العربية، 5 مايه 1959.
(5/ ص 24، 27، 27، 34) على الترتيب.
على هذا يمكن القول بأنه كحكم يتمتع بالمؤهلات التي تبعث على الطمأنينة.
مناقشة معلومة كعينة
تحاكم هنا معلومة تنتمي إلى المرحلة الأولى،
صادرة بالطبع عن محمد بن علي السنوسي، لاختبار صحتها :
أولا : المعلومة من خلال الاقتباسات الآتية :
اقتباس أول :
"... قصد (محمد بن علي السنوسي) إلى
محروسة فاس محط رحال العلماء (والوقت إذ ذاك وقت والعلماء علماء) ومكث بها سبع
سنوات تقريبا (1822م ــ 1829م) .... وهكذا فإن السيد لم يلبث طويلا حتى أجازه في
العلوم التي درسها من كان أهلا لذلك، فحصل على المشيخة الكبرى وعين مدرسا بالجامع
الكبير بمدينة فاس .... وفي أثناء إقامته بفاس ظهر فضل السيد وأقبل عليه تلاميذه،
ونال شهرة عظيمة"(1/ ص 34،
35).
اقتباس ثان :
"... وقد جلس لإلقاء الدروس في جامع
القرويين بفاس مدة سبع سنوات، وفي هذه الأثناء أسندت إليه مشيخة ذلك المعهد العلمي
الذي كان وقتذاك يضارع المعهد الأزهري بمصر، إلا أن السيد الإمام لم يرق له
ذلك"(3/ ص 16).
اقتباس ثالث :
"وفي
أواخر عام 1223 هجري 1809 ميلادي. رحل الإمام السنوسي إلى مدينة فاس المعمورة .... مكث في مدينة فاس
سبع سنوات متوالية ، يطلب خلالها العلم في مسجد القرويين المضاهي للجامع الأزهر
بمصر. ... و كان خلال هذه السبع سنوات يدْرُس و يدّرِّس
حتى فاق من وجده من الشيوخ والعلماء وأقر له الجميع بأنه فريد وقته وزينة عصره
وأنه ممن ستفتخر بهم الأمة المحمدية كما رشح لمشيخة جامع القرويين رغم صغر سنه الذي كان لا
يتجاوز 30 سنة فقط ولكنه لم يقبل هذا التقيد"(6/ ص 8).
لاحظ أن النقل ليس بالنص وإنما بالفحوى، ولاحظ اختلاف
الاقتباسات في درجة التمجيد رغم النقل عن المصدر نفسه، هذا لأن الناقلين الأوائل
غالبا من مريدي ابن السنوسي وأتباعه، وهذا أضاف إلى انحياز المصدر انحياز المراجع،
ما يؤدي إلى انخفاض الثقة، ويزيد من مأزق الباحث الذي يتوخى الحياد والموضوعية.
وللتأكد من صدور هذه المعلومة عن محمد بن علي
السنوسية أصلا :
اقتباس رابع :
"وقد ذكر السيد في (الفهرسة) التي تركها ــ وهي التي
ضمنها أسماء الكتب الكثيرة التي درسها والشيوخ العديدين الذين أخذ عنهم العلم حتى
اكتمل له ما صار يؤهله للتدريس والمحاضرة ــ شيئا من نشاطه في هذه الفترة الزاخرة من حياته" (1/ ص 36)، يقصد بالفترة
المرحلة الأولى (المرحلة الجزائرية المغربية)، هذا الاقتباس يؤكد أن محمد بن علي
السنوسي هو المصدر الوحيد حتى الآن لهذه المعلومة.
من هذه الاقتباسات ثمة معلومة من اربعة أجزاء
:
جزء أول :
محمد بن علي درس بجامع القرويين بفاس.
جزء ثان :
قام بالتدريس وظهر فضله ونال شهرة عظيمة،
وأقر له الجميع بأنه فريد وقته وزينة عصره.
جزء ثالث :
نال المشيخة الكبرى، مشيخة جامع القرويين، أو
عرضت عليه. لاحظ التضارب بين النوال ومجرد العرض رغم النقل عن المصدر ذاته.
جزء رابع :
مصدر هذه المعلومة الوحيد محمد بن علي نفسه.
ثانيا : المحاكمة
لمحاكمة هذه المعلومة بأجزائها الثلاثة
الأولى يمكن الاستعانة بالحكم عبد الهادي التازي من خلال كتابه المذكور، لاختبار
صحتها
تطرق عبد الهادي التازي في كتابه لمحمد بن علي السنوسي ثلاث مرات على
النحو الآتي :
المرة الأولى :
"أول
هذين الشاهدين الإمام المجاهد ابن السنوسي (ت 1276 هـ) الذي ورد على مدينة فاس
لأخذ العلم عن رجال الجامعة المذكورة"(4/ ص 726).
اعترف التازي
لمحمد بن علي السنوسي في هذا الاقتباس بالدراسة فقط.
المرة الثانية :
"وقد
كان أشهر رسل القرويين
إلى المشرق الإمام ابن السنوسي، الذي كان من أصدق من عرف بالقرويين في تلك الجهات،
هذا السنوسي الذي يرجع إليه الفضل الأكبر في هداية (برقة) وأمنها واطمئنانها، بعد أن كان
اجتيازها يحاكي ارتياد القمر اليوم، ويستحق الناجي فيها التهنئة والتحميد
بالسلامة!"(4/ ص 731).
في هذا
الاقتباس لم يتطرق إلى المعلومة بأجزائها الثلاثة صراحة، واكتفى بترديد مبالغات
صادرة غالبا عن بعض القادمين إلى برقة من الغرب الأقصى والأدنى، الذين دأبوا على تشويه
برقة وادعاء الفضل للسنوسية، وما كان هذا متوقعا من باحث بحجم عبد الهادي التازي؛
يترك ما تحويه خزائن القرويين من مصادر ليعتمد على مراجع منحازة تنقل عن مصدر
منحاز.
المرة الثالثة :
"ابن السنوسي (1276 هـ)، أبو عبد الله
محمد بن علي بن السنوسي مؤسس الطريقة السنوسية. ولد بمستغانم (الجزائر)، ولم يلبث
إن التحق بفاس من 1236 هـ إلى 1245 هـ حيث أخذ يدرس بجامعة القرويين على علمائها
الأعلام، وتصوف على يد القطب الشيخ عبد الوهاب التازي، أخذ أيضا عن الشيخ ابن إدريس 1253 هـ، ثم رحل إلى المشرق، ظل على
صلة برجال القرويين يجيزهم ويستجيزهم، وأقام أخيرا في برقة حيث كان له الفضل
الأكبر في تصفية النفوس. له مؤلفات عدة منها : الشموس الشارقة فيما لنا من أسانيد
المغاربة والمشارقة (مخطوط وقفت على جله)، والدرر السنية في أخبار السلالة
الإدريسية، وقد أدركته الوفاة في واحة الجغبوب على مقربة من طبرق. حاضر العالم
الإسلامي1 ص 277 ـــ دائرة المعارف الإسلامية ج12 ص 292 ـــ الأعلام7 ص 192 ، مجلة
المغرب عدد سبتمبر 1932 ـــ منصور المحجوب بين جامعة القرويين وجامعة ابن السنوسي،
الكتاب الذهبي 197. الكتاب الذهبي ص 172"(4/ ص 812).
في هذا الاقتباس اعترف التازي لمحمد بن علي
السنوسي بالجزء الأول من المعلومة أعلاه : اعترف له بالدراسة بجامع القرويين ولم
يقر له بالجزءين الأخرين : لم يقر له بأنه قام بالتدريس ولا بأنه نال مشيخة
الجامع.
في هذا الاقتباس ذكر التازي مراجعه وليس من
بينها المخطوطات والكتب التي ذكرها في كتابه(5/ ص 24، 27، 27، 34)، وهذه المراجع التي ذكرها في
هذا الاقتباس (المرة الثالثة) ناقلة عن محمد بن علي السنوسي أو عمن نقل عنه؛ فهي
ليست بالمصادر المستقلة، وقد اختار التازي ــ على ما يبدو ــ حلا وسطا؛ فهو لم
يساير المراجع الناقلة عن محمد بن علي السنوسي ويأخذ بما تقوله بأنه درس وقام
بالتدريس ونال المشيخة، ولم ينف ذلك كليا، بل اعترف بالجزء الأول فقط، ويظل السؤال
الملح : لم استعان التازي بالمراجع الناقلة
ولم يبحث في خزائن القرويين عن المصادر المستقلة المفترضة؟ أم أنه
بحث ولم يجد حاجته فاختار الحل الوسط؟.
وبما أن التازي لم يستعن بالمصادر المستقلة ــ كما يبدو ــ عليه يظل الشك في صحة المعلومة بأجزائها الثلاثة قائما ما لم يتقدم باحث جاد لينقب في خزائن جامعة القرويين وينفي الشك أو يؤكده، محاذرا الانخداع بتشابه الأسماء، وليقتدي بهذا الباحث آخرون يفتشون عن المعلومات في مضانها ومصادرها المحايدة؛ سعيا للتدقيق في كل المعلومات التي أخبرنا بها محمد بن علي السنوسي عن نفسه في المرحلتين الأولى والثانية على الأقل.
هل نحن أمة مجترة؟
إذا جاز تعميم هذه الواقعة فهل يجوز وصف
الأمة الإسلامية أو الأمة العربية أو وصف كل من الأمتين البرقاوية والطرابلسية على
الأقل بالأمة المجترة؛ التي تفضل مضغ الممضوغ الجاهز دون التأكد من صلاحيته؟.
لقد طرح هذا المقال الأسئلة
الآتية :
ــ ألا يفتح صمت الفئات الأربع
هذا باب الشك في صحة ما أخبر به ابن السنوسي عن نفسه؟.
ــ هل الرجل قادم من المجهول؟
وقد فضل قطع الصلة بماضيه وبالناس الذين يعرفونه ومنهم أقاربه خوفا من انكشاف سر
ما؟.
ــ لماذا فضل أهل برقة وأهل
طرابلس هؤلاء تصديق ما يسمعون دون تبين؟.
ــ هل نحن ملزمون بتصديق ما
يقوله الغريب عن نفسه؟.
ــ رأينا كيف انطلت كذبة ليبليش
على علماء الأنساب المغاربة بالرغم من أنه لم يكن بالشخصية المغمورة، فعلام يدل
ذلك؟.
ــ لم استعان التازي بالمراجع
الناقلة ولم يبحث في خزائن القرويين عن المصادر المستقلة المفترضة؟ أم أنه بحث ولم يجد حاجته فاختار الحل
الوسط؟.
ويظل السؤال الأخير أكثر إثارة للحيرة : باحث بحجم عبد الهادي التازي من أبناء فاس، درس بجامعة القرويين وحاضر فيها وكتب عنها الكثير، وكتابه هذا رسالة دكتوراه، وترجمة طلبة جامع القرويين ومدرسيه وشيوخه الذين ذكروا بها من ضمن اهتمامات هذه الرسالة، كيف لا يكلف نفسه ــ في ترجمته لابن السنوسي وقد ذكره ــ عناء التساؤل عن صحة ما ذكره ابن السنوسي عن نفسه من حيث علاقته بالقرويين، وإجابة تساؤله لعلها ترقد على مقربة منه في مخطوطة بإحدى خزائن هذه الجامعة؟ هل بحث أم تكاسل؟ أم أنه بحث ولم يجد شيئا بالخصوص؟، كيف لأمة بكاملها؛ (الأمة البرقاوية على الأقل)، أن تتناقل معلومات عن مصدر وحيد منحاز من 1841م إلى الآن : 2026م، دون بحث أو مراجعة؟، ربما هذا ما يبرر تصنيف هذا المقال باللغز وما يبرر وصف هذه الأمة بالمجترة.
............................................................................
(*) تجمع مصادر المرحلة الثالثة ومراجعها على أن تاريخ تأسيس الزاوية البيضاء
بالهجري هو 1257، ولكنها تختلف اختلافا كبيرا فيما يقابله بالميلادي؛ فتجعله :
1839، 1840 مثل الصورة المرفقة، 1841، 1842، 1843، وحتى 1846، وباستخدام أحد
المواقع الخاصة بالتبديل بين التقويمين ورابطه :
https://hijri-calendar.com/convert/
وهو موقع
أثبت موثوقيته باختباره بتاريخ وفاة محمد بن علي السنوسي باليوم والشهر والسنة
يالتقويمين، باستخدامه لمعرفة المقابل الميلادي لتاريخ تأسيس الزاوية البيضاء
بالهجري، على افتراض صحته،
ظهر الآتي :
01/01/1257 هـ يوافق 1841/02/22م
18/11/1257 هـ يوافق 1841/12/31م
29/12/1257 هـ يوافق 1842/02/10م
أي أن أغلب السنة 1257 هـ يوافق
1841 م، إلا إذا علم اليوم والشهر من سنة التأسيس بالهجري.
وربكة التواريخ واختلافها ظاهرة سنوسية، بالرغم من أحادية المصدر، وليس هذا فحسب؛ بل تمتد هذه الفوضى حتى لعدد رحلات محمد بن علي السنوسي؛ فبينما يقول أغلب مؤرخي السنوسية بأنها أربع رحلات : تشريقتان وتغريبتان، ينفرد ــ فيما أعلم ــ مؤلف (الفوائد الجلية) بالقول بأنها ست، فأحادية المصدر لم تحقق الاتفاق، وهذه مفارقة سنوسية تستحق الملاحظة.
المراجع مرقمة حسب ورودها
بالمتن للمرة الأولى :
1 ــ محمد فؤاد شكري، (السنوسية دين ودولة)، ط1 محققة، 1426هـ ــ 2005م، مركز الدراسات الليبية، أكسفورد ــ بريطانيا.
2 ــ علي محمد الصلابي، (تاريخ الحركة السنوسية في أفريقيا)، ط5، 1432هـ ــ 2011م، دار المعرفة، بيروت ــ لبنان.
3 ــ محمد الطيب بن إدريس الأشهب الزليتني، (السنوسي الكبير، عرض وتحليل لدعامة حركة الإصلاح السنوسي)، طبع بعناية مكتبة القاهرة بالأزهر، مطبعة عاطف.
4 ــ عبد الهادي محمد التازي،
(في تاريخ المغرب، جامع القرويين، المسجد والجامعة بمدينة فاس، موسوعة لتاريخها
المعماري والفكري)، ط 2، 2000 م، دار نشر المعرفة، الرباط ــ المغرب. المجلد
الثالث.
رابط المجلد الثالث :
5 ــ عبد الهادي محمد التازي، جامع القرويين، المجلد الأول.
رابط المجلد الأول :
6 ــ عبد الملك بن عبد القادر
بن علي الدرسي، (الفوائد الجلية في تاريخ العائلة السنوسية)، قام باختصاره الكابتن
طيار صلاح عبد العزيز العمامي.
رابط مختصر الكتاب :
الروابط الأخرى ذكرت في المتن.
رابط المجلد الثاني من كتاب عبد الهادي التازي :
20/8/2025 ـــ 6/10/2026
