الثلاثاء، 6 أكتوبر 2026

ألغاز السنوسية 3 أحادية المصدر وانحيازه في سيرة محمد بن علي السنوسي

 

    لا ادعي الاطلاع على كل ما كتبه مؤرخو السنوسية، ولذلك فالمجال مفتوح أمام من يخالفني الرأي لتذكيري ــ مشكورا ــ بأي مؤرخ جاء بمعلومات عن محمد بن علي السنوسي تتعلق بأحداث قبل تأسيس الزاوية السنوسية الأولى في مكة، كان هذا المؤرخ شاهدا عليها، لا أن يكون مجرد ناقل عن محمد بن علي نفسه.

 

ألغاز السنوسية

3

أحادية المصدر وانحيازه في سيرة محمد بن علي السنوسي


المراحل ومصادر المعلومات

    ولد محمد بن علي السنوسي ــ كما أخبر بنفسه منفردا ــ بإحدى ضواحي مستغانم بالجزائر سنة 1787م، وتوفي ــ كما هو معروف ومتواتر ــ بالجغبوب ببرقة سنة 1859م؛ وعلى هذا فقد عاش 72 سنة يمكن تقسيمها ــ من حيث مصادر معلوماتها ــ إلى مراحل على النحو الآتي :

المرحلة الأولى :

    يمكن تسميتها (المرحلة الجزائرية المغربية) : تمتد من ميلاده حتى مغادرته الجزائر في التشريقة الأولى سنة 1830م؛ وهي السنة التي بدأ فيها الغزو الفرنسي لبلاده الجزائر، ومدتها 43 سنة، ومعلوماتنا عنه فيها مصدرها الوحيد محمد بن علي السنوسي.

المرحلة الثانية :

     من المغادرة حتى بناء الزاوية السنوسية الأولى في مكة؛ أي من 1830 إلى 1837م؛ ومدتها 7 سنوات، وتظل أحادية المصدر قائمة،  وعليه يمكن القول بأن معلوماتنا بهذه المرحلة مصدرها الوحيد في الغالب محمد بن علي السنوسي أيضا، وثمة معلومات ربما تكون منقولة عن آخرين غير محمد بن علي السنوسي منها على سبيل المثال :

1 ــ ما كتبه المؤرخ التركي شهبندر زاده أحمد حلمي (1865م ــ 1914م)، عن أثر الزيارة الأولى لمصر على محمد بن علي السنوسي(1/ ص 39)، وهو ــ بالنظر لتاريخ ميلاده ــ ليس بشاهد عيان بل هو ناقل إما عن محمد بن علي السنوسي أو بعض مريديه أو عن معاصري الزيارة من شيوخ الأزهر.

2 ــ ما ذكره محمد عبده (1849م ــ 1905م) في كتابه (الإسلام والنصرانية) عن ردة الفعل العنيفة من بعض شيوخ الأزهر على أراء محمد بن علي السنوسي المثيرة للجدل(1/ ص 65، 66)؛ وبالنظر لتاريخ ميلاده فهو ليس بشاهد عيان، وينطبق عليه ما ينطبق على المؤرخ التركي.

المرحلة الثالثة :

    الممتدة من بناء الزاوية الأولى سنة 1837م حتى وفاته في 1859م؛ ومدتها 22 سنة، وتخللها حلوله ببرقة في التشريقة الثانية، وبناء الزاوية البيضاء سنة 1257هـ التي توافق 1841م على الأرجح(*)، وفيها بدأت مصادر المعلومات في التعدد شيئا فشيئا، فما وصلنا من معلومات تتعلق بأحداث هذه المرحلة منها ما رواه شهود عيان من مريديه وأبنائه، ومنها ما رواه غيرهم؛ على سبيل المثال :

1 ــ ما دونه مرافق محمد بن علي السنوسي الشيخ محمد بن صادق البكري من بعض أحداث التغريبة الأولى بعد تأسيس الزاوية الأولى(2/ ص 39)، ولعل الشيخ البكري أول شاهد عيان يدلي بما شهد كمصدر مستقل وليس مجرد ناقل، ولكن ــ فيما أعلم ــ لا أحد من مؤرخي السنوسية اعتمد على هذه المخطوطة، ولا أحد قام بتحقيقها.

2 ــ ما كتبه محمد بلو عن عودة محمد بن علي السنوسي إلى برقة في التغريبة الثانية ونزوله بالعزيات(1/ ص 63، 64). 

3 ــ ما رواه محمد بن الشفيع لأحمد الشريف عن التغريبة الأولى، وقد كان الأول مرافقا لمحمد بن علي السنوسي في تلك الرحلة(1/ ص 55).

    من استعراض هذه المراحل نجد أن مدة المرحلتين الأولى والثانية نصف قرن، بينما بلغت مدة المرحلة الثالثة 22 سنة، وهكذا فإن الجزء الأكبر من حياة محمد بن علي السنوسي معلوماتنا عنه مصدرها الوحيد إجمالا هو محمد بن علي السنوسي نفسه؛ أي أن هذه المعلومات أحاديث آحاد انفرد بها راو وحيد ذو مصلحة.

     أقول هذا ولا ادعي الاطلاع على كل ما كتبه مؤرخو السنوسية، ولذلك فالمجال مفتوح أمام من يخالفني الرأي لتذكيري ــ مشكورا ــ بأي مؤرخ جاء بمعلومات عن محمد بن علي السنوسي تتعلق بأحداث قبل تأسيس الزاوية السنوسية الأولى في مكة، كان هذا المؤرخ شاهدا عليها، لا أن يكون مجرد ناقل عن محمد بن علي نفسه.

صمت الفئات الأربع المريب

    أخبر محمد بن علي السنوسي فيما نقل عنه أنه درس وقام بالتدريس وتولى المشيخة في المرحلة الأولى، فإذن يمكن الحديث عن أربع فئات من الأشخاص الذين ارتبطوا بعلاقة ما بمحمد بن علي السنوسي :

الفئة الأولى :

     أقاربه ومعارفه من الناس العاديين الذين لا علاقة لهم بالدراسة والتدريس.

الفئة الثانية :

     شيوخه الذين تلقى العلم على أيديهم، بالإضافة إلى زملائهم من الشيوخ الذين لم يكونوا من شيوخه ولكنهم يعرفونه.

الفئة الثالثة :

     زملاؤه في فترة الدراسة والتدريس.

الفئة الرابعة :

    تلاميذه، وزملاؤهم الذين لم يكونوا من تلاميذه ولكنهم يعرفونه.

    من المريب أن لا أحد من هؤلاء لحق به في برقة، أو أدلى بأية معلومات تؤكد أو تصحح أو تكذب ما أدلى به محمد بن علي السنوسي في المرحلتين : الأولى والثانية من معلومات عن نفسه، ألا يفتح صمت الفئات الأربع هذا باب الشك في صحة ما أخبر به ابن السنوسي عن نفسه؟.

   يضاف إلى هذا أن محمد بن علي كان على تواصل في المرحلة الثالثة مع الزاوية التكوكية السنوسية في الجزائر، وكان داعما للمقاومة في الجزائر، ومع ذلك لم يستقدم أحدا من أقاربه إلى برقة وإنقاذه من المعاناة الناجمة عن الاحتلال، خاصة؛ وأنه صار بمثابة رئيس دولة في الجغبوب حيث تتجمع بين يديه ثروات برقة الوفيرة.

  فهل الرجل قادم من المجهول؟ وقد فضل قطع الصلة بماضيه وبالناس الذين يعرفونه ومنهم أقاربه خوفا من انكشاف سر ما؟.

    ما يؤكد غموض المرحلتين : الأولى والثانية أن الأشخاص ــ الذين اشتهروا في تاريخ الحركة السنوسية في المرحلة الثالثة والذين أصولهم من الجزائر أو المغرب ــ التقى بهم أول مرة خارج المغرب والجزائر، أو وهو يهم بمغادرة الجزائر، وفي كل الأحوال لم يكن لأي منهم سابق معرفة به؛ أي لا أحد منهم من الفئات الأربع السابق ذكرها(3/ من ص 58 إلى ص 69).

    قائمة الإخوان في برقة الذين ذكرهم المؤلف في هذه الصفحات بها حوالي 30 إخوانيا من خارج برقة، وفي الحقيقة فإن عدد الإخوان الذين جلبهم محمد بن علي السنوسي وجلبهم ابنه المهدي من بعده، من خارج برقة، وما جلباه ممن يسمون بعبيد الإخوان كبير جدا يصل إلى الآلاف فيما يمكن تسميته بالاحتلال الناعم لبرقة، انظر المقال :

الهوية البرقاوية والهوية السنوسية المشوشة 3 عالمية الحركة السنوسية وعدم إيمانها بوطن محدد.

الرابط :

  http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2026/04/3.html

    يذكر مؤلف (السنوسي الكبير) أسماء كثير من شيوخ محمد بن علي السنوسي بالمغرب والجزائر(3/ ص 14، 15)، ولا أحد منهم لحق به في برقة، أو ذكر ابن السنوسي في كتاب أو حديث، إنه الصمت المريب.

    كما أنه لا أحد من معاصري المرحلة الثالثة من أهل برقة ولا من أهل طرابلس الذين اجتمعوا به؛ خاصة بعد اشتهار أمره في بداية المرحلة الثالثة، كلف نفسه عناء الذهاب إلى المنطقة التي ولد بها محمد بن علي السنوسي والمناطق التي ترعرع ودرس وقام بالتدريس بها كما يقول؛ للتبين وللتأكد من صحة المعلومات، لماذا فضل أهل برقة وأهل طرابلس هؤلاء تصديق ما يسمعون دون تبين؟، ولم نعلم حتى الآن : 2026م بأن أحد المهتمين في وقتنا هذا كلف نفسه هذا العناء وبحث في تلك البقاع، وخاصة في ارشيف جامعة القرويين بالمغرب.

مأزق الباحث في السنوسية

      هذا مأخذ مهم ونقطة ضعف معتبرة في مستوى الثقة في المعلومات يواجهان أي باحث في السنوسية، فهل نحن ملزمون بتصديق ما يقوله الغريب عن نفسه؟، ولعل أفضل تعامل مع هذا المأخذ ونقطة الضعف هذه هو أن ننظر إلى المعلومات التي بها تزكية لابن علي السنوسي بتحفظ شديد، حتى تجود الظروف بباحث حقيقي جاد ينقب عن الحقيقة في المخطوطات والوثائق كمصادر مستقلة، كتبها آخرون ليسوا بناقلين عن ابن السنوسي، والتي ذكرت شيئا ما عنه في المرحلتين : الأولى والثانية إن وجدت هذه المصادر.

     فمن المعلومات التي تكون محل تحفظ ــ على سبيل المثال ــ ادعاؤه بأنه من نسل الأدارسة، ومن هذه المعلومات محل التحفظ أيضا ادعاؤه بأنه درس وقام بالتدريس في جامع القرويين ونال مشيخته، وما شابه من المعلومات؛ مثل هذه المصادفة في توافق بيانات ميلاده وملابساته مع نظيرتها الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد ولد مثل النبي يوم الاثنين، ومثله يوم 12 ربيع الأول، ومثله أيضا نشأ يتيما : "ولد رضي الله عنه يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول سنة 1202 هـ 22 ديسمبر 1798 م (المتواتر حسب أغلب الناقلين 1787م) في بلد (مستغانم) من الجزائر، وقد أثبت الرواة من ثقاة التاريخ السنوسي أنه ولد في نفس اليوم والشهر الذي ولد فيه جده الأكبر صلى الله عليه وسلم ولذلك سمي "محمدا" ونشأ يتيما إذ أن والده السيد علي توفاه الله ولم يبلغ وليده الفطام"(3/ ص 8).

     لاحظ العبارة : "الرواة من ثقاة التاريخ السنوسي"، فعن أي رواة ثقاة يتحدث؟، وهذه المعلومات تنتمي إلى المرحلة الأولى حيث مصدرها الوحيد محمد بن علي نفسه؟!.

    ومن المعلومات التي تقبل بدون تحفظ؛ لأنها لا تزكيه على الأقل، مغادرته بلاده الجزائر بمجرد بداية الغزو الفرنسي مدعيا أنه غادرها استجابة لرؤيا رآها تأمره بذلك : "فأراد الرجوع أولا إلى وطنه عله يستطيع أن يدفع عنه الضرر وأن يقاوم المحتلين، ولكنه سرعان ما عدل عن ذلك عندما جاءه في (رؤيا) مشهورة أن من الخير والواجب أن يستمر في سيره صوب الشرق"(1/ ص 36).

غفلة المغاربة والبراوقة

    من الملاحظ كثرة الذين يدعون انتسابهم لآل البيت من البربر لدرجة تثير ــ على صفحات التواصل الاجتماعي ــ غضب حتى البربر أنفسهم من بني جلدتهم الذين يتنكرون لأصلهم وينتسبون للعرب، ولم يقتصر أمر ادعاء الانتساب هذا على البربر والفرس بل توسع ليشمل الأوربيين؛ فهذا دومينغو فرانثيسكو باديا ليبليش Domingo Francisco Jordi Badía y Leblich المعروف بلقبه علي باي العباسي (1767 ــ 1818م) وهو رحالة وجاسوس ومغامر ومستشرق إسباني يدعي الانتساب (للسادة الأشراف) أيضا.

     تعلم باديا ليبليش اللغة العربية وعمل كاتبًا في برشلونة، كما كان مسؤولاً عن مصلحة التبغ بقرطبة، وختن نفسه في لندن على يد طبيب يهودي، ثم اتجه إلى المغرب متنكراً في زي عربي، مدعياً أنه من السادة الأشراف وأنه من مواليد حلب بالشام.

      في 5 أبريل 1810 عين رئيسا لبلدية قرطبة من قبل جوزيف بونابرت، حيث ادخل زراعة بنجر السكر والقطن والبطاطا، واستمر في منصبه مدة 15 شهرا حتى 14 يوليو 1811. وفي عام 1816 انتشر مطبوع عمله Travel  of Ali-Bey في ربوع أوروبا، والتي جمعت أسفاره في العالم العربي بين 1803 و1807، نشرت في مجلدين في إنجلترا وألمانيا وفرنسا.

     وقام بالذهاب إلى مكة حاجا، وسنة 1818، وبعد تغيير اسمه إلى الحاج علي أبو عثمان ذهب إلى دمشق، وهناك كشفت أجهزة الاستخبارات البريطانية أمره فدس له السم، وقد حُرم من الدفن الإسلامي لأنه تم العثور على صليب في صدرته.

انظر الرابط :

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B9%D9%84%D9%8A_%D8%A8%D8%A7%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3%D9%8A

كتاب باديا إي ليبليش :

https://books.google.com.ly/books?id=Re7OEAAAQBAJ&printsec=frontcover&source=gbs_atb&redir_esc=y#v=onepage&q&f=false 

       أما عن علاقته بجامع القرويين فعنه يقول التازي : درس بجامع القرويين وانتقد مناهجه وطرق التدريس به(4/ ص 726).

     رأينا كيف انطلت كذبة ليبليش على علماء الأنساب المغاربة بالرغم من أنه لم يكن بالشخصية المغمورة، فعلام يدل ذلك؟، ولولا الاستخبارات البريطانية لكانت سلالته تحظى بالتقديس والسيادة والشرف بيننا الآن، فكم من ليبليش نقدسه الآن لم يكشف أمره!! وامتد ادعاء الانتساب إلى (آل البيت) حتى لملكة بريطانيا إليزابيث حيث ردد أكثر من واحد من شيوخ الأزهر منهم علي جمعة بأنها تنحدر من هذا النسب.

      لذلك فالتحفظ إزاء انتساب محمد بن علي السنوسي لآل البيت أمر مبرر، خاصة؛ وقد رأينا غفلة المغاربة واستسهال قبول هذه الدعوى من المجاهيل والنكرات وحتى من الشخصيات غير المغمورة؛ مثل ما وقع مع باديا ليبليش الأسباني، أضف إلى ذلك أن محمد بن علي السنوسي مثل ليبليش ليس من المغرب أيضا.

جهينة فاس والقرويين

     تمهيدا لاختبار صحة معلومة ذكرها محمد بن علي السنوسي منفردا حتى الآن، تتناول علاقته بجامع القرويين، لابد من التعريف بالحكم الذي يفضل اختياره للحكم على هذه المعلومة، هذا الحكم هو عبد الهادي التازي من خلال كتابه : (في تاريخ المغرب، جامع القرويين، المسجد والجامعة بمدينة فاس، موسوعة لتاريخها المعماري والفكري) وهو رسالة دكتوراه.

    تقول النبذة بالمجلد الأول من كتابه عنه : ولد بمدينة فاس 7 شوال 1339 هـ / 15 يونيو 1921 م. تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي ونال شهادة العالمية من جامعة فاس القرويين بدرجة متفوق جدا (1366 هـ ــ 1947م) وعين أستاذا بها ابتداء من 1/5/1948"(5/ صفحة قبل المقدمة).

   كما أنه وصف كتابه المذكور بالموسوعة، وقد تناول جامع القرويين كثيرا في كتبه ومحاضراته ومقالاته بحيث يستحق أن يلقب بـ (جهينة القرويين) الذي عنده الخبر اليقين.

   يقول التازي عن علاقته بالقرويين : "ذاك جامع القرويين الذي شدني إليه رحم لا تبلى، حيث نشأت على مرأى منه ومسمع، وحيث قضيت فيه ردحا من أزهى أيام صباي وشبابي"(5/ ص 16).

   وفي جامع القرويين الكثير من خزائن المخطوطات، وثمة كتاب آخرون تحدثوا عن القرويين بمؤلفاتهم، وقد أشار التازي في كتابه إلى بعض هذه المخطوطات وإلى هؤلاء المؤلفين وكتبهم :

     مما ذكره من المخطوطات والكتب :

1 ــ السراج (محمد) : تراجم شيوخ القرويين منذ أول مجلس علمي (مخطوط).

2 ــ ابن القاضي : جذوة الاقتباس فيمن حل من الأعلام مدينة فاس 1309.

3 ــ الكتاني (ع.ح) : ماضي القرويين ومستقبلها (مخطوط بالخزانة العامة) رقم 3354.

ومنها صحف ومجلات وما شابه، على سبيل المثال :

4 ــ الفاسي العابد : خزانة القرويين ونوادرها، المجلد 5، معهد المخطوطات العربية، 5 مايه 1959.

(5/ ص 24، 27، 27، 34) على الترتيب.

   على هذا يمكن القول بأنه كحكم يتمتع بالمؤهلات التي تبعث على الطمأنينة.

مناقشة معلومة كعينة

   تحاكم هنا معلومة تنتمي إلى المرحلة الأولى، صادرة بالطبع عن محمد بن علي السنوسي، لاختبار صحتها :

أولا : المعلومة من خلال الاقتباسات الآتية :

اقتباس أول :

    "... قصد (محمد بن علي السنوسي) إلى محروسة فاس محط رحال العلماء (والوقت إذ ذاك وقت والعلماء علماء) ومكث بها سبع سنوات تقريبا (1822م ــ 1829م) .... وهكذا فإن السيد لم يلبث طويلا حتى أجازه في العلوم التي درسها من كان أهلا لذلك، فحصل على المشيخة الكبرى وعين مدرسا بالجامع الكبير بمدينة فاس .... وفي أثناء إقامته بفاس ظهر فضل السيد وأقبل عليه تلاميذه، ونال شهرة عظيمة"(1/ ص 34، 35).

اقتباس ثان :

    "... وقد جلس لإلقاء الدروس في جامع القرويين بفاس مدة سبع سنوات، وفي هذه الأثناء أسندت إليه مشيخة ذلك المعهد العلمي الذي كان وقتذاك يضارع المعهد الأزهري بمصر، إلا أن السيد الإمام لم يرق له ذلك"(3/ ص 16).

اقتباس ثالث :

    "وفي أواخر عام 1223 هجري 1809 ميلادي. رحل الإمام السنوسي إلى مدينة فاس المعمورة .... مكث في مدينة فاس سبع سنوات متوالية ، يطلب خلالها العلم في مسجد القرويين المضاهي للجامع الأزهر بمصر. ... و كان خلال هذه السبع سنوات يدْرُس و يدّرِّس حتى فاق من وجده من الشيوخ والعلماء وأقر له الجميع بأنه فريد وقته وزينة عصره وأنه ممن ستفتخر بهم الأمة المحمدية كما رشح  لمشيخة جامع القرويين رغم صغر سنه الذي كان لا يتجاوز 30 سنة فقط ولكنه لم يقبل هذا التقيد"(6/ ص 8).

    لاحظ  أن النقل ليس بالنص وإنما بالفحوى، ولاحظ اختلاف الاقتباسات في درجة التمجيد رغم النقل عن المصدر نفسه، هذا لأن الناقلين الأوائل غالبا من مريدي ابن السنوسي وأتباعه، وهذا أضاف إلى انحياز المصدر انحياز المراجع، ما يؤدي إلى انخفاض الثقة، ويزيد من مأزق الباحث الذي يتوخى الحياد والموضوعية.

    وللتأكد من صدور هذه المعلومة عن محمد بن علي السنوسية أصلا :

اقتباس رابع :

    "وقد ذكر السيد في (الفهرسة) التي تركها ــ وهي التي ضمنها أسماء الكتب الكثيرة التي درسها والشيوخ العديدين الذين أخذ عنهم العلم حتى اكتمل له ما صار يؤهله للتدريس والمحاضرة ــ شيئا من نشاطه في هذه الفترة الزاخرة من حياته" (1/ ص 36)، يقصد بالفترة المرحلة الأولى (المرحلة الجزائرية المغربية)، هذا الاقتباس يؤكد أن محمد بن علي السنوسي هو المصدر الوحيد حتى الآن لهذه المعلومة.

    من هذه الاقتباسات ثمة معلومة من اربعة أجزاء :

جزء أول :

    محمد بن علي درس بجامع القرويين بفاس.

جزء ثان :

    قام بالتدريس وظهر فضله ونال شهرة عظيمة، وأقر له الجميع بأنه فريد وقته وزينة عصره.

جزء ثالث :

    نال المشيخة الكبرى، مشيخة جامع القرويين، أو عرضت عليه. لاحظ التضارب بين النوال ومجرد العرض رغم النقل عن المصدر ذاته.

جزء رابع :

    مصدر هذه المعلومة الوحيد محمد بن علي نفسه.

ثانيا : المحاكمة

     لمحاكمة هذه المعلومة بأجزائها الثلاثة الأولى يمكن الاستعانة بالحكم عبد الهادي التازي من خلال كتابه المذكور، لاختبار صحتها

    تطرق عبد الهادي التازي في كتابه لمحمد بن علي السنوسي ثلاث مرات على النحو الآتي :

المرة الأولى :

   "أول هذين الشاهدين الإمام المجاهد ابن السنوسي (ت 1276 هـ) الذي ورد على مدينة فاس لأخذ العلم عن رجال الجامعة المذكورة"(4/ ص 726).

    اعترف التازي لمحمد بن علي السنوسي في هذا الاقتباس بالدراسة فقط.

المرة الثانية :

    "وقد كان أشهر رسل القرويين إلى المشرق الإمام ابن السنوسي، الذي كان من أصدق من عرف بالقرويين في تلك الجهات، هذا السنوسي الذي يرجع إليه الفضل الأكبر في هداية (برقة) وأمنها واطمئنانها، بعد أن كان اجتيازها يحاكي ارتياد القمر اليوم، ويستحق الناجي فيها التهنئة والتحميد بالسلامة!"(4/ ص 731).

     في هذا الاقتباس لم يتطرق إلى المعلومة بأجزائها الثلاثة صراحة، واكتفى بترديد مبالغات صادرة غالبا عن بعض القادمين إلى برقة من الغرب الأقصى والأدنى، الذين دأبوا على تشويه برقة وادعاء الفضل للسنوسية، وما كان هذا متوقعا من باحث بحجم عبد الهادي التازي؛ يترك ما تحويه خزائن القرويين من مصادر ليعتمد على مراجع منحازة تنقل عن مصدر منحاز.

المرة الثالثة :

   "ابن السنوسي (1276 هـ)، أبو عبد الله محمد بن علي بن السنوسي مؤسس الطريقة السنوسية. ولد بمستغانم (الجزائر)، ولم يلبث إن التحق بفاس من 1236 هـ إلى 1245 هـ حيث أخذ يدرس بجامعة القرويين على علمائها الأعلام، وتصوف على يد القطب الشيخ عبد الوهاب التازي، أخذ أيضا عن الشيخ ابن إدريس 1253 هـ، ثم رحل إلى المشرق، ظل على صلة برجال القرويين يجيزهم ويستجيزهم، وأقام أخيرا في برقة حيث كان له الفضل الأكبر في تصفية النفوس. له مؤلفات عدة منها : الشموس الشارقة فيما لنا من أسانيد المغاربة والمشارقة (مخطوط وقفت على جله)، والدرر السنية في أخبار السلالة الإدريسية، وقد أدركته الوفاة في واحة الجغبوب على مقربة من طبرق. حاضر العالم الإسلامي1 ص 277 ـــ دائرة المعارف الإسلامية ج12 ص 292 ـــ الأعلام7 ص 192 ، مجلة المغرب عدد سبتمبر 1932 ـــ منصور المحجوب بين جامعة القرويين وجامعة ابن السنوسي، الكتاب الذهبي 197. الكتاب الذهبي ص 172"(4/ ص 812).

    في هذا الاقتباس اعترف التازي لمحمد بن علي السنوسي بالجزء الأول من المعلومة أعلاه : اعترف له بالدراسة بجامع القرويين ولم يقر له بالجزءين الأخرين : لم يقر له بأنه قام بالتدريس ولا بأنه نال مشيخة الجامع. 

   في هذا الاقتباس ذكر التازي مراجعه وليس من بينها المخطوطات والكتب التي ذكرها في كتابه(5/ ص 24، 27، 27، 34)، وهذه المراجع التي ذكرها في هذا الاقتباس (المرة الثالثة) ناقلة عن محمد بن علي السنوسي أو عمن نقل عنه؛ فهي ليست بالمصادر المستقلة، وقد اختار التازي ــ على ما يبدو ــ حلا وسطا؛ فهو لم يساير المراجع الناقلة عن محمد بن علي السنوسي ويأخذ بما تقوله بأنه درس وقام بالتدريس ونال المشيخة، ولم ينف ذلك كليا، بل اعترف بالجزء الأول فقط، ويظل السؤال الملح : لم استعان التازي بالمراجع الناقلة ولم يبحث في خزائن القرويين عن المصادر المستقلة المفترضة؟ أم أنه بحث ولم يجد حاجته فاختار الحل الوسط؟. 

    وبما أن التازي لم يستعن بالمصادر المستقلة ــ كما يبدو ــ عليه يظل الشك في صحة المعلومة بأجزائها الثلاثة قائما ما لم يتقدم باحث جاد لينقب في خزائن جامعة القرويين وينفي الشك أو يؤكده، محاذرا الانخداع بتشابه الأسماء، وليقتدي بهذا الباحث آخرون يفتشون عن المعلومات في مضانها ومصادرها المحايدة؛ سعيا للتدقيق في كل المعلومات التي أخبرنا بها محمد بن علي السنوسي عن نفسه في المرحلتين الأولى والثانية على الأقل.

هل نحن أمة مجترة؟

     إذا جاز تعميم هذه الواقعة فهل يجوز وصف الأمة الإسلامية أو الأمة العربية أو وصف كل من الأمتين البرقاوية والطرابلسية على الأقل بالأمة المجترة؛ التي تفضل مضغ الممضوغ الجاهز دون التأكد من صلاحيته؟.

لقد طرح هذا المقال الأسئلة الآتية :

ــ ألا يفتح صمت الفئات الأربع هذا باب الشك في صحة ما أخبر به ابن السنوسي عن نفسه؟.

ــ هل الرجل قادم من المجهول؟ وقد فضل قطع الصلة بماضيه وبالناس الذين يعرفونه ومنهم أقاربه خوفا من انكشاف سر ما؟.

ــ لماذا فضل أهل برقة وأهل طرابلس هؤلاء تصديق ما يسمعون دون تبين؟.

ــ هل نحن ملزمون بتصديق ما يقوله الغريب عن نفسه؟.

ــ رأينا كيف انطلت كذبة ليبليش على علماء الأنساب المغاربة بالرغم من أنه لم يكن بالشخصية المغمورة، فعلام يدل ذلك؟.

ــ لم استعان التازي بالمراجع الناقلة ولم يبحث في خزائن القرويين عن المصادر المستقلة المفترضة؟ أم أنه بحث ولم يجد حاجته فاختار الحل الوسط؟.

     ويظل السؤال الأخير أكثر إثارة للحيرة : باحث بحجم عبد الهادي التازي من أبناء فاس، درس بجامعة القرويين وحاضر فيها وكتب عنها الكثير، وكتابه هذا رسالة دكتوراه، وترجمة طلبة جامع القرويين ومدرسيه وشيوخه الذين ذكروا بها من ضمن اهتمامات هذه الرسالة، كيف لا يكلف نفسه ــ في ترجمته لابن السنوسي وقد ذكره ــ عناء التساؤل عن صحة ما ذكره ابن السنوسي عن نفسه من حيث علاقته بالقرويين، وإجابة تساؤله لعلها ترقد على مقربة منه في مخطوطة بإحدى خزائن هذه الجامعة؟ هل بحث أم تكاسل؟ أم أنه بحث ولم يجد شيئا بالخصوص؟، كيف لأمة بكاملها؛ (الأمة البرقاوية على الأقل)، أن تتناقل معلومات عن مصدر وحيد منحاز من 1841م إلى الآن : 2026م، دون بحث أو مراجعة؟، ربما هذا ما يبرر تصنيف هذا المقال باللغز وما يبرر وصف هذه الأمة بالمجترة.

............................................................................

(*) تجمع مصادر المرحلة الثالثة ومراجعها على أن تاريخ تأسيس الزاوية البيضاء بالهجري هو 1257، ولكنها تختلف اختلافا كبيرا فيما يقابله بالميلادي؛ فتجعله : 1839، 1840 مثل الصورة المرفقة، 1841، 1842، 1843، وحتى 1846، وباستخدام أحد المواقع الخاصة بالتبديل بين التقويمين ورابطه :

https://hijri-calendar.com/convert/

    وهو موقع أثبت موثوقيته باختباره بتاريخ وفاة محمد بن علي السنوسي باليوم والشهر والسنة يالتقويمين، باستخدامه لمعرفة المقابل الميلادي لتاريخ تأسيس الزاوية البيضاء بالهجري، على افتراض صحته، ظهر الآتي :

01/01/1257 هـ  يوافق 1841/02/22م

18/11/1257 هـ يوافق 1841/12/31م

29/12/1257 هـ يوافق 1842/02/10م

    أي أن أغلب السنة 1257 هـ يوافق 1841 م، إلا إذا علم اليوم والشهر من سنة التأسيس بالهجري.

    وربكة التواريخ واختلافها ظاهرة سنوسية، بالرغم من أحادية المصدر، وليس هذا فحسب؛ بل تمتد هذه الفوضى حتى لعدد رحلات محمد بن علي السنوسي؛ فبينما يقول أغلب مؤرخي السنوسية بأنها أربع رحلات : تشريقتان وتغريبتان، ينفرد ــ فيما أعلم ــ مؤلف (الفوائد الجلية) بالقول بأنها ست، فأحادية المصدر لم تحقق الاتفاق، وهذه مفارقة سنوسية تستحق الملاحظة.

 


المراجع مرقمة حسب ورودها بالمتن للمرة الأولى :

1 ــ محمد فؤاد شكري، (السنوسية دين ودولة)، ط1 محققة، 1426هـ ــ 2005م، مركز الدراسات الليبية، أكسفورد ــ بريطانيا.

2 ــ علي محمد الصلابي، (تاريخ الحركة السنوسية في أفريقيا)، ط5، 1432هـ  ــ 2011م، دار المعرفة، بيروت ــ لبنان.

3 ــ محمد الطيب بن إدريس الأشهب الزليتني، (السنوسي الكبير، عرض وتحليل لدعامة حركة الإصلاح السنوسي)، طبع بعناية مكتبة القاهرة بالأزهر، مطبعة عاطف.

4 ــ عبد الهادي محمد التازي، (في تاريخ المغرب، جامع القرويين، المسجد والجامعة بمدينة فاس، موسوعة لتاريخها المعماري والفكري)، ط 2، 2000 م، دار نشر المعرفة، الرباط ــ المغرب. المجلد الثالث.

رابط المجلد الثالث :

https://ia601501.us.archive.org/2/items/2_20221112_20221112_1850/history00108%20%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%88%D9%8A%D9%8A%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B2%D9%8A/%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%88%D9%8A%D9%8A%D9%86-3.pdf

5 ــ عبد الهادي محمد التازي، جامع القرويين، المجلد الأول.

رابط المجلد الأول :

https://ia801501.us.archive.org/2/items/2_20221112_20221112_1850/history00108%20%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%88%D9%8A%D9%8A%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B2%D9%8A/%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%88%D9%8A%D9%8A%D9%86-1.pdf

6 ــ عبد الملك بن عبد القادر بن علي الدرسي، (الفوائد الجلية في تاريخ العائلة السنوسية)، قام باختصاره الكابتن طيار صلاح عبد العزيز العمامي.

رابط مختصر الكتاب : 

https://dn790003.ca.archive.org/0/items/20191230_20191230_0403/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A6%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A9.pdf

الروابط الأخرى ذكرت في المتن. 

رابط المجلد الثاني من كتاب عبد الهادي التازي :

https://ia601501.us.archive.org/2/items/2_20221112_20221112_1850/history00108%20%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%88%D9%8A%D9%8A%D9%86%20%D8%B9%D8%A8%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B2%D9%8A/%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%88%D9%8A%D9%8A%D9%86-2.pdf

 

 

20/8/2025  ـــ 6/10/2026

 

 

 

 

 

 

الاثنين، 27 أبريل 2026

الفهرس الثاني

 

يسمح بإعادة نشر أي من محتويات المدونة بشرطين  :

الشرط الأول : عدم التصرف في المادة المنشورة

الشرط الثاني : الإشارة للمصدر

عبد الله هارون عبد الله

محتويات المدونة (الفهرس الثاني)

مخصص للنصوص الأدبية والسيناريوهات ومقاطع الفيديو والصور والمسرحيات

هناك فهرس آخر (الفهرس الأول : مقالات) المنشورة بهذه المدونة على الرابط :  

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2024/07/blog-post.html

ملاحظة : تاريخيا من الأقدم إلى الأحدث أنشأت ثلاث مدونات :

الأولى : (مازلت نا) على موقع مكتوب الإماراتي في شهر سبتمبر 2007 وتم إلغاؤها بعد شراء الياهو لهذا الموقع

الثانية : (الطمي) على القوقل بتاريخ 21/12/2009

الثالثة : المدونة http://abdullahharunabdullah.blogspot.com  بتاريخ 20/6/2015

هذه عينة من هذه المنشورات بهذه المدونة :

49

سيناريست يدعى الدماغ

سيناريو فني (ديكوباج)

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2026/04/blog-post_65.html

..............................................................................................................

48

ضَحايا الْهرمونات

 سيناريو أدبي

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2026/04/blog-post_36.html

..............................................................................................................

47

مــــــــــــزاج عــــــــــــام

فلم قصير

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2026/04/blog-post_51.html

...

https://www.facebook.com/abdhaabd/videos/1430054527056065/

..............................................................................................................

46

ابْصارة حُكَّام

مسرحية

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2026/04/blog-post_26.html

..............................................................................................................

45

حـــــــــــــــــــادي بـــــــــادي

 مسرحية

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2026/04/blog-post.html                     

..............................................................................................................

44

شُجُونُ التــَّمَــعْــنِي

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2026/01/blog-post.html

..............................................................................................................

19

الماء والمرايا .. مونودراما غنائية

بيروقراطية العشق

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2015/12/blog-post_13.html

..............................................................................................................

17

الــحــــاجـــة بــــلادي

سيناريو فني (ديكوباج)

احذر المُحذِّر

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2015/09/blog-post_10.html

..............................................................................................................

الهوية البرقاوية والهوية السنوسية المُشَوِّشَة 3 عالمية الحركة السنوسية وعدم إيمانها بوطن محدد

 

الهوية البرقاوية والهوية السنوسية المُشَوِّشَة

3

عالمية الحركة السنوسية وعدم إيمانها بوطن محدد

 

      الحركات الصوفية والإخوان وداعش وحزب التحرير حركات عابرة للحدود، حركات لا مكانية؛ أي أنها لا تقيم وزنا للانتماء للمكان، بل تضع عينها على العالم، وتخلق انتماء موازيا، بل مهددا للانتماء الوطني، لذلك من الصعب إن لم يكن من المستحيل اجتماع حب الوطن وحب أي واحدة من هذه الانتماءات العابرة للأوطان، ولهذا منع جل البلدان الإسلامية إن لم يكن كلها تأسيس الأحزاب على أساس ديني، من المهم التنبيه على أنه لا اعتراض على التعاطف والتعاون بين المسلمين بمختلف أوطانهم، ولكن بحيث لا يكون ذلك على حساب الانتماء الوطني.

   ولنأخذ الحركة السنوسية الصوفية كمثال ولنتأكد من كونها حركة لا وطنية، ولنطرح بداية هذا السؤال : ماذا تعني برقة بالنسبة للسنوسية؟.

     يقول إبراهيم جضران : "برقة الانطلاقة وليبيا الهدف"؛ فحركة إبراهيم جضران وفق هذا الشعار حركة وطنية بالنسبة لمن هو مقتنع بأن ليبيا وطن واحد وشعب واحد، ولكنها ليست وطنية بالنسبة لمن يؤمن ببرقة فقط ويعتقد بأن الكيان الليبي كيان ملفق لا مستقبل له، أما لسان حال السنوسية فيقول : برقة الانطلاقة (والأدق : الجزائر الانطلاقة) والعالم الهدف، مثلما لسان حال الإخوان يقول : مصر الانطلاقة والعالم الهدف، مثلما لسان حال داعش يقول : العراق الانطلاقة والعالم الهدف، مثلما لسان حال حزب التحرير يقول : فلسطين الانطلاقة والعالم الهدف، وهكذا.

     جاء في المصادر السنوسية : "الدعوة السنوسية لا تعرف حدودا"(1/ ص 146)، و"لم يكن السنوسي الكبير يؤمن بوطن محدد"(2/ ص 21)، ومنه أيضا : "كان السنوسي الكبير دولي النظرة والنية"(2/ ص 26)، إذن هي حركة عابرة للحدود، لا انتماء لها لمكان محدد؛ برقة مثلا، فما الأدلة الداعمة لهذا الحكم؟ هناك عدة أدلة منها :

الدليل الأول : جاء في دستور المملكة وتعديله، المادة 61 : "لا يتولى الملك عرشا خارج ليبيا إلا بموافقة مجلس الأمة"، وما أسهل هذه الموافقة ممن يسمون بالأباء المؤسسين!!.

وهنا ثمة وقفة :

    ليبيا دولة فقيرة تضطر بسبب الفقر ــ كما تروج مصادر المملكة ــ لتأجير أرضها للقواعد العسكرية الأجنبية، وتنفرد المملكة بهذا الإجراء دون الدول العربية الأخرى الفقيرة أيضا؛ المهم؛ دولة بهذا الفقر عام 1951 ومع ذلك يفكر ملكها في التوسع وتولي عروشا أخرى؛ مشنوق ونيته في الحلوى؛ لأنه يمثل حركة لا وطنية لديها طموح إمبراطوري.

الدليل الثاني : كثرة الإخوان المجلوبين من قبل السنوسية من خارج برقة وكثرة البلدان التي جاءوا منها : "إنهم كثيرون؛ وفي كل مكان، ومن كل مكان، فهم من الشمال الأفريقي، ومن ليبيا [طرابلس وفزان]، ومن مصر، ومن السودان (الغربي والشرقي) ومن الحجاز، ومن اليمن، ومن تركيا، ومن الحبشة والهند، ومن الحواضر والبوادي، ومن بلاد كثيرة غير ما ذكر، من العرب والأعاجم وكانوا يعرفون باسم (الإخوان) لأنها تسمية عامة، وهذه التسمية هي التعريف الجامع الموحد بين جميع أتباع السنوسي"(3/ ص 56)، وقد أطلق عليهم : (المهاجرون).

وهنا ثمة وقفة :

1 ــ التأكيد على كثرة الإخوان وكثرة البلدان التي جاءوا منها وأنهم من العرب والأعاجم يعزز الشبه بين السنوسية وداعش وكل الحركات القابلة للتمدد وتجاوز الدولة الوطنية : "باقية وتتمدد".

2 ــ للدقة لا يشمل مصطلح الإخوان سنوسيا البدو الذين يطلق عليهم عادة في المصادر السنوسية : العربان أو الأعراب، والعربان والأعراب وصف يردده البربر احتقارا للعرب؛ "والبربر يطلقون على القبائل العربية القريبة منهم لفظ (العربان)، وهم يستعملونها من باب الازدراء، والمرأة البربرية لا تغطي وجهها عندما يقابلها عربي، أو أعرابي، أو عبد من باب النظرة الدونية"(4/ ص 34، 35)، ويشمل تحديدا المرابطين والسعادي الموجودين ببرقة قبل 1841م؛ عام حلول محمد بن علي السنوسي ببرقة وبنائه أول زاوية له؛ ويتجلى هذا الاحتقار في حملة التشويه السنوسية للبراوقة (المرابطين والسعادي)؛ ما فيش حاجة امعفنة وما حطتها السنوسية فيهم.

    من بين مئات الآلاف الذين ماتوا من أجل السنوسية من البدو أو المرابطين والسعادي أو العربان لم ينل رتبة إخواني سوى قلة قليلة جدا، ومنهم عمر المختار الذي رغم كل ما بذله ورغم تقديسه للسنوسية منح رتبة الإخواني من الصف الثالث أو ما يسمى بالطبقة الاحتياطية(5/ ص 35، 36).

3 ــ وكمثال يثبت تشابه داعش مع السنوسية (أي أنهما حركتان عابرتان للحدود)، فقد بايع مئات الدراونة أبا بكر البغدادي في المنشط والمكره، فبعث لهم بوال من اليمن والانباري من العراق وقاض من السودان، وتبعهم لوبي مجلوب من مختلف أصقاع العالم من العرب والأعاجم، اطلق عليهم : (المهاجرون) أيضا، وصاروا كلوبي السنوسية هم السادة والقادة والدراونة المبايعون مجرد عوالة.

4 ــ كثرة الإخوان المجلوبين من خارج برقة تستحق أن توصف بالغزو الناعم، ومن المفارقات اللافتة أن السنوسية زهدت البراوقة في القبيلة ولكنها لم تتخل عن القبلية تحت الاسم العام المتعالي : الأشراف.

5 ــ وظفت السنوسية حب البدو للتفاخر القبلي في بث الحماسة فيما يعرف بالجهاد في حروبها الخمس.

الدليل الثالث : يقول أبو سيف مقرب حدوث البرعصي الملقب بشاعر الحضرة السنوسية والمتوفى سنة 1896م، متحدثا عن المهدي السنوسي الذي يقود الجيش السنوسي قبل أن يخوض أية معركة(6/ ص 59) :

يقود جيوشا ضاق عن بعضها الفضا

تـذيـق العـدا كـأس الـردى والدواهيا

كـتـائب مـن سـام وحـام تـجـمـعـــت

ومـا جـمـعـت إلا الأسـود الضواريا

     حام : العرق الأسود؛ أي الأفارقة من جنوب الصحراء الكبرى؛ أي أناس من خارج برقة، انظر الاقتباس الأول تحت الدليل الثاني، حيث بلغ عدد العبيد الذين جلبتهم السنوسية في الجغبوب فقط حوالي (2000) ألفي عبد(1/ ص 106)، وكانوا يلقبون بـ عبيد الإخوان، وقد اعطتهم السنوسية امتيازات حتى على السعادي والمرابطين؛ وفي طغيانهم تروى قصص مؤسفة :

قصة أولى :

    فهذا العبد (بكتو أو بكتوف) ولاه الرضا المهدي السنوسي حاكما على جالو يجبي الضرائب، وقد ضج أهل جالو بالشكوى من ظلمه وسوء سلوكه، وقد اعترف محمد الأخضر العيساوي الزنتاني (من اللوبي الذي جلبته السنوسية إلى برقة) في رده على الطاهر الزاوي بذلك، ودافع عن الرضا قائلا : "كانت غلطة من غلطاته ... ولكنه .. بشر يخطئ ويصيب وأنه ليس بمعصوم ...... على أن السيد إدريس تدارك الأمر حينما سمع بسيرته المعوجة فأرسل إلى أخيه وأمره بطرده وفعلا طرد والتحق بمصر وهو بها إلى الآن"(7/ ص 76).

وهنا ثمة وقفة :

1 ــ تكليف عبد مجلوب من خارج حدود برقة بالسيادة على أهل برقة مثل تكليف يمني من قبل أبي بكر البغدادي ليكون واليا في درنة؛ ما يؤكد عالمية الحركة السنوسية وأنها لا تقيم وزنا للانتماء المكاني؛ أي أنها حركة لا وطنية عابرة للحدود.

2 ــ عندما يخطئ السنوسي يدافع عنه بالقول هو بشر غير معصوم، أليس السنوسية من آل البيت المعصومين المباركين المذهوب عنهم الرجس والمطهرين إلى يوم القيامة؟ ذوي الكرامات والكشف عن الغيب كما يزعمون؟.

3 ــ هل على البراوقة (المرابطين والسعادي) أن يكونوا مزرعة تجارب؟ وأن تسلط عليهم السنوسية كل من هب ودب؟.

4 ــ كم عبد معوج السيرة وكم سنوسي معوج السلوك لم يعلم به إدريس؟ أو علم به متأخرا؟ أو علم به ولم يحرك ساكنا؟.

قصة ثانية :

     وقد كان هؤلاء العبيد أداة سنوسية ضاربة لفرض الطاعة والولاء للسنوسية في برقة؛ فقد كانوا مكلفين من قبل إدريس السنوسي إبان فترة حكومة إجدابيا بالقبض على من يبدي اعتراضا على سياسة إدريس وإعدامه(8/ ص 177، 178).

قصة ثالثة :

    وقد أمر قجة عبد الله القرعاني التشادي، بما له من مكانة لدى السنوسية، بترحيل الفواخر إلى الجنوب بحجة انضمامهم بقيادة شيخهم ظافر الفاخري إلى إيطاليا، وإهدار دم من يوجد منهم بالشمال، وأخذ منهم العشر على سنتين مقدما، وفرض عليهم معونة للدور لمدة سنتين أيضا(9/ ص 72).

وهنا ثمة وقفة :

    إذا كان الانضمام للطليان جريمة عقوبتها إهدار الدم فقد انضم إليهم الرضا المهدي السنوسي؛ أخو إدريس، ودعا عمر المختار لتسليم نفسه(10/ ص 143، 144)، وانشق الحسن بن الرضا وكون ما عرف بدور الدقيق المدعوم من إيطاليا (11/ مقال)، وانضم للطليان أيضا هلال محمد الشريف السنوسي، والشارف الغرياني(10/ ص 102)، الذي يحظى بمنزلة لدى السنوسية تفوق منزلة عمر المختار، كما أن أحمد الشريف قد ترك الساحة عام 1918، وبدأ إدريس محاولاته الفرار إلى مصر منذ 1921(12/ ص 179)، (هذا لا يعني اتهام هؤلاء المنضمين والهاربين، بالخيانة أو العمالة، ولكن ينبغي عدم الكيل بمكيالين : المنضمون من السنوسية والإخوان والهاربون لا تهدر دماؤهم، بل يحظون بالتمجيد والإطراء، والمنضمون من المرابطين والسعادي دماؤهم مهدورة!!).

     ولعل تنكيل قجة عبد الله القرعاني التشادي بالفواخر جاء على خلفية انتشار الطريقة الصوفية المعروفة بـ(المدنية) بين الفواخر، وهي طريقة منافسة للسنوسية في برقة(2/ ص 91). ولم يسكت المشايخ؛ حيث قدم بعضهم شكوى للرضا السنوسي يرفضون فيها إجراءات قجة، ويقولون بأنهم لن يقبلوا بأن يكون هذا العبد السوداني شيخهم، ويطلبون من الرضا تنحيته، وقد استجاب الرضا لهم فترك قجة الساحة وذهب إلى فزان(9/ص 71، 72).

قصة رابعة :

       مجموعة من المحافظية من بينهم .... القرعاني من تشاد ينزلون ضيوفا على نجع من قبيلة منصور اعبيدات، يكرمون ويبيتون بالنجع وفي الصباح يقرر القرعاني الاستيلاء على جواد سعد بو خدة شيخ النجع، يعترض الشيخ  قائلا : علي اليمين ما تركبه يا فنديسة (الفنديسة : إشارة إلى سواده)، فيطلق القرعاني عليه النار، يقوم أهل النجع بالقبض على الجاني، ويقولون بأن مصيره مرتبط بمصير الشيخ : إذا نجا يطلق سراح الجاني وإذا مات يقتل قصاصا، وبعد أيام يتوفى الشيخ متأثرا بجراحه فينفذ القصاص، يسمع عمر المختار بالحادث فيقسم بأن يحرق النجع، لكنه يلاحظ تذمرا في الدور مما عزم عليه، وأن هناك بوادر انشقاق، فيتراجع عن عزمه ويعترف بأن القرعاني أساء التصرف، ويطلب مخرجا ليمينه؛ تنصب له عشة فيحرقها تحلة للقسم.

     من ضمن بوادر الانشقاق أن عمر المختار عاتب المجاهد عبد الحميد بو فلقة ابن عم سعد بو خدة قائلا : ليش ما تعزيني في ... القرعاني؟، رد عليه عبد الحميد : وليش ما تعزيني في سعد بو خدة؟.

    أمر عمر المختار بمهاجمة النجع، فانفصل عبد الحميد عنه وانطلق مبتعدا، فسأله عمر المختار : وين ماشي؟ أجابه : تلقاني قدامك في النجع، هنا تراجع عمر المختار ولكنه أراد تحلة لقسمه.

قصة خامسة :

     أحد عبيد الإخوان المجلوبين من خارج برقة يغتصب فتاة برقاوية، فلا يجد الغناي البرقاوي العاجز عن حمايتها أمام هذا النفوذ سوى السخرية المرة؛ يطلق غناوة العاجز الساخر؛ ولأن الغناوة أم البنات؛ فإذا عثرت على غناوة فتش في الجوار فعلى الأغلب ستعثر على بنت واحدة على الأقل لهذه الغناوة؛ بنت الغناوة الشتاوة؛ ولأن الغناوة شديدة البذاءة فسنكتفي بتقديم بنتها التي تحمل بصماتها الجينية، تقول الشتاوة : "يا اعوينك حجيتي برضك عبد أخوان قضى لك فرضك" : فعبد السنوسية مبارك لاتصاله بالسنوسية، وحينما اغتصب الفتاة فقد شملت البركة الضحية، فكأنها أدت مناسك الحج دون مال ولا مشقة، سخرية العاجز المرة، أو لعلها سخرية الذيل أو التيس البرقاوي القديم أو الفقوم المعتق.

الدليل الرابع : الحروب الخمس الفاشلة التي حرضت عليها السنوسية وكان وقودها البراوقة، هل كانت السنوسية تطبق شعار معمر القذافي : دعم حركات التحرر في العالم؟! أم كانت تسعى لإقامة دولة إمبراطورية؟ أم أنها تطبق شعار وحدة الساحات الذي رفعه حزب الله اللبناني؟!؛ في أي إجابة بنعم دليل على عالميتها، وهذه هي الحروب الخمس :

أ) حربها في تشاد ضد فرنسا (حينما حارب معمر بالجيش الليبي ضد النفوذ الفرنسي في تشاد وانتصر بتنصيب نظام إدريس دبي الموال له قامت القيامة)، أما أن تلقي السنوسية بالبراوقة في محرقة تشاد ضد فرنسا في حرب خاسرة مقدما من أجل وصولها للسلطة فذلك جهاد، إنه الكيل بمكيالين.

ب) حربها الخاسرة ضد فرنسا في الجزائر.

ج) حربها الخاسرة ضد بريطانيا في مصر.

د) حربها الخاسرة ضد مصراتة وتخومها.

و) فهذه أربع حروب خاسرة خارج برقة، بالإضافة إلى محرقة الحرب في برقة؛ هذا ولم يجرح سنوسي واحد.

    وكثيرا ما ادعت السنوسية أن لها الفضل في إيقاف الحروب القبلية في برقة، فإذا سلمنا جدلا بذلك، فإن ما حفظته السنوسية من دماء البدو أو العربان بالحد من حروبهم القبلية ضيعت أضعافه في حروبها العبثية الخاسرة من أجل الوصول للسلطة؛ الحروب القبلية أرحم، وكانت آيلة للتوقف بالسنوسية وبدونها.

الدليل الخامس : المفاخرة السنوسية بانتشارها؛ يقول السنوسية بأن لديهم زوايا ليس في برقة فحسب بل في الجزائر وتشاد وتونس وطرابلس وفزان ومصر والحجاز، وثمة مصادر سنوسية تقول بوجود زوايا في الهند وتركيا : "فقويت الطريقه في أيامه [يقصد المهدي السنوسي] حتى انتشرت زواياها من المغرب الأقصى إلى الهند، ومن الصحراء الكبرى إلى الآستانة (استانبول)"(13/ ص 33)، هذا قديما، والآن يقولون بفخر بوجود زوايا سنوسية في ماليزيا؛ هذا والسنوسيون خارج السلطة، فكيف إذا ما كانوا فيها؟.

     إذا عادت السنوسية للسلطة فمن المتوقع أن يقوم ملك الغفلة بتفعيل المادة 61 المشار إليها في الدليل الأول، وتولي عروش بلدان أخرى تنتشر فيها الزوايا السنوسية؛ ولا نستغرب حينها أن يكون محافظ المرج مثلا ماليزيا ومحافظ بنغازي تشاديا ومحافظ طبرق نيجيريا ومحافظ إجدابيا هنديا؛ مثلما كان والي درنة الداعشي يمنيا.

الدليل السادس : رسالتان من أحد الطوارق المغرر بهم من قبل السنوسية تكشفان حجم الإمبراطورية السنوسية المزمع إقامتها لتمتد من البحر إلى مصر [يقصد بالبحر المحيط الأطلسي] يعني برقة الانطلاقة ــ كما يقول الجضران ــ مجرد منصة إطلاق ورجالها مجرد وقود صاروخي جاف.

     من رسالة من كاوصن إلى أعمامه :

     "أقدز في 10 مارس 1917م بسم الله الرحمن الرحيم إلى سيادة العزيز الكريم الكامل، إلى عمنا الحاج موسى، وعمِّنا "أدمير" وإلى جميع قبيلة (إيكزكزن) وكلّ من في حمايتهم؛ السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، ..... إنّ كل البلاد التي ستفتح بين البحر ومصر ستُسلّم إلى الحكومة السنوسية، وتلك هي النصيحة التي أوجهها لكم، تمسَّكوا بها ......... كتبت في 6 ذي الحجة 1334هـ أكتوبر 1916م، ومختوم بختم يحمل العبارة التالية : خادم الحكومة السنوسية حاكم وادي فزّان كاوصن"(14/ ص 225).

     ومن رسالة أخرى من محمد كاوصن إلى قبيلته يقول فيها :

     "وإننا نخبركم بأنَّنا قد أرسلنا من طرف سيدنا الأكبر السيد محمد العابد الشريف بارك الله فيه وبارككم، فأمرنا بإنهاض الناس وتحريضهم على القتال في سبيل الله والطريق المستقيم وعلى كلمة الدين ....

    ويقول في فقرة أخرى من هذه الرسالة :

    وكل مانريده نحن هو أن يتبع الناس جميعاً الطريق المستقيم لأننا نعمل وفقاً لإرادة الله، ونطيع أوامر السيد العابد، لأن عهده قد بدأ بدون أدنى شك وبكل يقين، وليس هناك سلطة أخرى غير سلطته، لأنّ العالم قد قسم فأخذ كلّ واحد نصيبه ــ وذلك بمشيئة الله ــ وأنتم من الجزء الذي يقع في نصيب السيد محمد العابد. يا أيها الناس فكروا جيداً، إننا مبعوثون من عنده لنهديكم إلى الصراط المستقيم ونقوم بإدارة بلادكم، فلتبق هذه الكلمات في ذهنكم وتقبَّلوا تحيات خادم الطريقة المجيدة الشريفة الصحيحة الطريقة السنوسية"(14/ ص 226).

وهنا ثمة وقفة :

     لاحظ قوله : لأنّ العالم قد قسم فأخذ كلّ واحد نصيبه ــ وذلك بمشيئة الله ــ وأنتم من الجزء الذي يقع في نصيب السيد محمد العابد.

     إنه الضحك على السذج والدراويش؛ هذه الترهات تذكر بما جاء في بيان للجنرال الإيطالي كانيفا من حشر للإرادة الإلهية بحيث يصبح الاحتلال الإيطالي بمشيئة الله وإرادته والعناية الإلهية(14/ من ص 238 إلى 240)؛ وقد استشهد كاتب بيان الجنرال كانيفا بالآيات : الممتحنة 18 ، الأنفال 61 ، الأنبياء 105 ، محمد 38 ، آل عمران 26، المائدة 45، لإقحام المشيئة الإلهية في تبرير احتلال إيطاليا لليبيا.

الدليل السابع : انفرد أحمد الشريف بقرار المقاومة العنيفة في برقة دون موافقة العائلة السنوسية وكبار الإخوان(13/ ص 41، 42)، ودون استشارة البراوقة، وغامر بالجيش النظامي الذي معه بالحرب في مصر بدلا من الحرب في برقة؛ لتبييض صفحته مع الأتراك، فأدى بذلك إلى دماره، ثم هرب مبكرا؛ 1918م في غواصة ألمانية إلى تركيا تاركا برقة في محرقة، مكتفيا بمراسلة آل الكزة الذين كانوا في قلب المحرقة، طالبا منهم العناية بالحوالى والاحتفاظ بالسمن والصوف له وحده دون عياله، وحرث الأرض لعياله، مقابل منحهم البركة السنوسية(15/ ص 61، 62)، حالما بعرش العراق الذي وعد به(13/ ص 61)، عاكفا على قراءة صحيح البخاري من أجل انتصار الأتراك على اليونانيين(13/ ص 68، 69)، ولتذهب برقة والمرابطين والسعادي إلى المجهول.

وهنا ثمة وقفة :

1 ــ الحرب في مصر بدلا من برقة دليل على عالمية الحركة، وأن برقة ليست في محور اهتمامها.

2 ــ الحلم بعرش العراق دليل آخر على عالمية الحركة.

3 ــ من طريف ما يذكر أن مصطفى كمال أتاتورك وهو في أنقرة، والقوات اليونانية على مشارفها، طلب من أحمد الشريف الموجود بديار بكر أن يقرأ صحيح البخاري بنية النصر، فعكف أحمد على قراءته وبعث لمصطفى كمال ببرنوسه وسيفه والمصحف ومعها رسالة يقول فيها : "بعثت إليك بمصحف الأمان، وسيف النصر، وكسوة العز والفوز إن شاء الله"، فانتصر الأتراك على اليونانيين(13/ ص 69)، والسؤال : لماذا لم يقرأ أحمد الشريف صحيح البخاري ضد إيطاليا؟، أم أن البخاري ما يلعبش مع أبناء روما؟!؛ روما ترابها حامي صقع عليه؟!.

الدليل الثامن : سعي إدريس السنوسي لسلخ الجغبوب عن برقة وضمها لمصر حتى لا يدنس الطليان أضرحة السنوسية :

     "وفيما يلي نورد بعض ما ذكره إسماعيل صدقي باشا (وزير خارجية مصر أثناء عقد الاتفاقية المصرية الإيطالية) في مذكراته التي طبعتها دار الهلال سنة 1950، فقال : في أواخر سنة 1925 جرت بيننا وبين الطليان مفاوضة لإنهاء مسألة الحدود الغربية والبت في أمر واحة الجغبوب، فتألفت من الجانب المصري لجنة برياستي، وتألفت لجنة من الجانب الإيطالي برياسة المركيز نجروتوكامبيازو ... إلى أن قال : أما الطليان فقد كان يهمهم أن يحتفظوا بواحة جغبوب التي بها ضريح للسنوسيين تنبعث منه حسب اعتقادهم تعاليم ضد سياستهم وحكمهم في طرابلس تخلق لهم المشكلات ... إلى أن قال : وكان من حججنا في ملكيته لمصر أن انجلترا نفسها اعترفت في مدة الحرب العالمية الأولى بملكيتها لمصر في معاهدة شاليوت التي عقدتها مع السنوسيين. أما حجة الطليان فهي : أنهم ورثة الأتراك في ولاية طرابلس؛ وواحة جغبوب داخلة ضمن هذه الولاية. وإنه بينما كان السنوسيون يدينون بالولاء للدولة العلية كان الولاة الأتراك يعدونها ضمن أعمال طرابلس، بل إن بعض الكتب الجغرافية المقررة في مدارس وزارة التربية والتعليم المصرية وضعت جغبوب في خريطة طرابلس، وتلك الكتب راجعتها لجنة من هذه الوزارة واعتمدتها، هذا بعض ما ذكره إسماعيل صدقي باشا.

      ومما هو معروف أن عميد السنوسية (الأمير وقتذاك) السيد محمد إدريس المهدي السنوسي (ملك المملكة الليبية المتحدة الآن) قد بذل جهودا جبارة بقصد أن يكون الجغبوب تابعا لمصر كيفما تكون صفة هذه التبعية وعمل على أن تضمه مصر بقصد إنقاذ ما يمكن إنقاذه على الرغم من ليبية الموقع العريقة، وكان العالم العربي والإسلامي أيضا يرى وجوب إلحاقه يومذاك بمصر نظرا لقداسة الجغبوب ومكانته الإسلامية، وشاء الله أن يقتنع إسماعيل صدقي بما وصل إليه من اتفاق مع إيطاليا وأن لا ينفصل هذا الجزء عن أصله حتى تحين ساعة إنقاذ الكل"(3/ ص 52، 53).

وهنا ثمة وقفة :

     عالمية السنوسية جعلت إدريس السنوسي يبذل جهودا جبارة من أجل سلخ الجغبوب عن برقة كي لا يدنس الطليان أضرحة السنوسية، وهذه العالمية جعلت شاعرا سودانيا لا علاقة له ببرقة، يهاجم إسماعيل صدقي باشا الذي أبقى على برقاوية الجغبوب؛ أنشد الشاعر السوداني الأستاذ صالح عبد القادر؛ أحد أعضاء جمعية اللواء الأبيض قصيدة منها(3/ ص 53) :

فـعـلـيـك يـا جـغـبـوب ألـف تـحـيـة

وعـلى شـهـيـدك رحـمـة وســــلام

وعـلى قـداسـتـك الـعـفـا قـد داسـها

إسماعيل لا استحى ولا استـعصام

    والشطر الأخير يعاني عللا في الصياغة وفي العروض. كما تم تناول هذا الموضوع بتوسع في(1/ من ص 538 إلى ص 544).

الدليل التاسع : توجد روابط عالمية للأشراف وروابط عالمية للتصوف، والسنوسية جزء من هذه الروابط، وانتماؤها لهذه الروابط العالمية يؤكد عالميتها.

الدليل العاشر : وهو دليل حديث، يتمثل في تمسك الوريث الشرعي المزعوم؛ مزور الوصية(16/ مقال)، تمسكه بالعودة للدستور المعدل غير الفيدرالي(17/ مقال، تحت العنوان : السواد سنوسي لا برقاوي)، وكأنه استخسر في برقة حتى الصيغة الفيدرالية التافهة التي في دستور 1951 قبل التعديل(18/ مقال)، وهو ليس على استعداد للقبول ببرقة مادام بإمكانه الظفر بليبيا، وبعد أن يتمكن من حكمها سوف يفعل المادة 61 المذكورة أعلاه ويطالب بتولي عروش أخرى، ويجد البراوقة أنفسهم أقلية مستضعفة مهددة بالانقراض، متواريين في وسط رعايا هذه العروش.

      ومن المفارقات السنوسية أن الملك إدريس حارب الأحزاب بحجة أنها قد تتلقى توجيهاتها من الخارج(19/ ص 106، 107)، ولعله أراد القول بأن الحزب العابر للحدود ذيله في ليبيا ورأسه خارجها، وسوف يلعب بذيله ويهدد الأمن القومي، ولكن في الوقت نفسه شجع على نشر الزوايا السنوسية في البلدان الأخرى، أو كان يرعى القائم منها على الأقل؛ لتكن ذيول هذه الزوايا في تلك البلدان ورأسها في ليبيا؛ وقد تتخذ ذريعة تشجع على تفعيل المادة 61 من الدستور. فالسنوسية على هذا مع سياسة التمدد وعبور حدود الدولة الوطنية مادام ذلك في صالحها، وضد هذه السياسة إذا كان العكس.

   فهل يمكن للبراوقة الوصول للوطن المنشود من خلال حركة عالمية لا وطنية؟.

التصوف السياسي

     بدأ التصوف الإسلامي بالزهد في الدنيا ومن باب أولى الزهد في السلطة، وربما جاء الزهد والاعتزال تأثرا بالرهبانية النصرانية، ولكن بانتشار الإسلام، وظهور الشعوبية والفرق الإسلامية حدث تقارب كبير بين التصوف والتشيع، ووظف التصوف ضمن الصراع الشعوبي.

     ولا بد لفهم خلفيات هذا الصراع من التعريج على نتائج ظهور الإسلام وكيفية انتشاره، لقد كان انتشار الإسلام على يد العرب على حساب خمس أمم : اليهود والفرس والبربر والروم والأحباش، وقد تم سحق الأمم الثلاث الأولى فتولد لديها دافع الانتقام مبكرا، بينما تراجعت الأمتان الأخيرتان إلى أراضيهما التقليدية، ولم يدخل الروم ضمن الصراع إلا في عصور متأخرة.

     تجلى انتقام الأمم المسحوقة في إشعال الفتن بين العرب، ودس الخرافات، ودعم التصوف المحور، وتأليب العرب بعضهم على بعض بالترويج لأطروحة التفاضل الجيني الممتد عبر الزمن؛ فالبربر مثلا تبنوا التصوف وآلت إليهم بذلك القيادة الروحية على العرب في إفريقيا، وصاروا قناطر للتشيع، والفرس دفعوا بأطروحة التفاضل العرقي الجيني بين العرب؛ فظهر عرب درجة أولى وهم المنتسبون ــ صدقا أو كذبا ــ لعلي بن أبي طالب، وعرب درجة ثانية من غير المنتسبين. وجاء الدعم المسيحي للتصوف ضمن أدوات الصراع الإسلامي المسيحي، ودخلت الماسونية على الخط.

    لكل هذه الأسباب أخذ التصوف شيئا فشيئا في مغادرة الحاضنة الإسلامية، وابتعد عنها حتى صار منظومة فكرية  مستقلة تماما عن الإسلام؛ طقوسا وأدبيات وعقيدة، وإن ادعى المتصوفة كذبا مرجعيتهم الإسلامية.

   وهنا يمكن رصد تيارين من التصوف : تيار يتظاهر بالزهد في السلطة والدنيا عموما ويمكن أن يطلق عليه الطريقة، وتيار يلهث للوصول للسلطة مستغلا سذاجة أتباعه وتصديقهم لخرافات الصوفية كمطية مبرمجة، ويمكن أن يطلق عليه حركة؛ هذا التيار يمكن تسميته بالتصوف السياسي على غرار الإسلام السياسي الذي عينه على السلطة. ولكن حتى التيار الصوفي الزاهد تم توظيفه في الصراعات السياسية.

    من ضمن مراجع هذه المقالة كتاب محمد فؤاد شكري : السنوسية دين ودولة، وهذا العنوان تحوير لشعار إسلامي : الإسلام دين ودولة، ولذلك من المتوقع وفق هذا التماهي أو المحاكاة بين الإسلام السياسي والتصوف السياسي أن يطرح الشعار : التصوف دين ودولة، وبالقياس لا نستغرب إن قيل  : التصوف هو الحل، كتحوير لشعار إسلامي إخواني آخر : الإسلام هو الحل.

    من أبرز الأمثلة على الحركات الصوفية التي تستحق أن توصف بالتصوف السياسي؛ السنوسية والتيجانية، بالنسبة للسنوسية فتعطشها للسلطة ثابت؛ وبعض الأدلة التي ذكرت توضح ذلك، وهم يدعون انحدارهم من سلالة إدريس الأصغر، المتوفى سنة 828 م، فإدريس الأكبر وصولا إلى الحسن السبط،، وعدد الأدارسة الآن بعشرات الملايين في لغز إحصائي يستعصي عن الفهم، وما حلوا بمجتمع إلا وقسموه إلى فئتين : فئة الأشراف الأولياء النبلاء السادة وتقتصر عليهم، وبقية المجتمع وهم عديمو الشرف والسيادة من العربان التبع. وهاجس إحياء دولة الأدارسة برفع الشعار الديني ملازم لهم لا يفارقهم : يقول محمد بن علي السنوسي في ملاحظة تاريخية سياسية : "على غرار ما يحدث من أزمنة بعيدة؛ إذ كانت تبتدئ الحكومات في هذه الديار أولا بالمشيخة والإرشاد ثم تنتهي بالحكم والسلطان"(1/ ص 35)، هذه الملاحظة الصحيحة انطبقت على قائلها وعلى الحركة التي أسسها.

    وبالنسبة للتيجانية فقد كان مؤسسها أحمد بن محمد بن المختار التيجاني،(1737 ــ 1815) المولود بعين ماضي بالجزائر، ودفين مدينة فاس(20/ مقال)، وقد جاء جده من إيران. في لقاء مهم لقناة الجزيرة مع الشيخ  أحمد التيجاني نياس، أجرى اللقاء الإعلامي سامي كليب، يمكن ذكر أهم ما جاء به(21/ لقاء تلفزيوني مفرغ) :

1 ــ  "سامي كليب : ضيفنا هو مؤسس حزب الله السنغالي، وهو ابن الطريقة الصوفية التيجانية التي لها تأثير كبير هنا، ولكن أيضا في الكثير من الدول الأفريقية، وهو الذي يلجأ إليه بعض القادة العرب لاستشارته قبل اتخاذ قرارات سياسية وربما شخصية أيضا .... أحد قادة الطريقة التيجانية الوزير السنغالي أحمد التيجاني نياس".

2 ــ "سامي كليب : تتقاطع حياة أحمد التيجاني نياس اليوم بين مصادر عديدة، أولها أهله التيجانيون الصوفيون، وثانيها توليه منصب وزير المدينة الجديدة في السنغال، وثالثها الاقتصاد؛ حيث يتربع على ثروة لا بأس بها في بلد يغلب الفقر على أهله".

3 ــ "سامي كليب : من يزور الضريح؟ فقط بعض السنغاليين؟".

"أحمد التيجاني نياس : لا، لا، كل الجنسيات، نيجيريا، موريتانيا، المغرب، تونس، ليبيا، السودان، تشاد، النيجر، بوركينا، مالي، الغينيتين، ساحل العاج، بنين، توغو، كاميرون....."، "أميركا، الهند، باكستان.... اليوم في المغرب وفي الجزائر وتونس وليبيا كثير من التيجانيين هم يرجعون إلى كولخ وليس إلى فاس". [كولخ : مركز الطريقة في السنغال].

4 ــ "سامي كليب : حين يصافح الشيخ أحمد التيجاني نياس مريدي طريقة أهله التيجانيين يتبادلون التحية بنطق كلمة نياس، وهذا دليل على الولاء، وإذا كان التيجانيون يشكلون ثلث مسلمي السنغال؛ وفق بعض المراجع الفرنسية، فإن فكرة توظيف هذه الشعبية لأهداف سياسية دغدغت لا شك أحمد نياس الذي فاجأ الجميع بإعلانه حزب الله السنغالي، وذلك قبل أن تظهر أحزاب الله في دول عربية وإسلامية أخرى، أسسه لمناهضة نظام الرئيس السنغالي السابق ليوبول سنغور".

وهنا ثمة وقفة :

1 ــ لاحظ : اختراع تحية خاصة : نياس

2 ــ يظهر جليا أن الطريقة التيجانية توظف شعبيتها لأهداف سياسية، فهي على هذا صارت حركة لا طريقة وهي بهذا تمثل التصوف السياسي في أوضح صوره.

    وقد لجأ هذا الشيخ إلى ليبيا في عهد معمر القذافي، وحاول هذا الأخير توظيفه في مؤامرته في إفريقيا. التيجانية التي ولد مؤسسها بالجزائر ولها زوايا بها، وضريح مؤسسها في المغرب كانت محل تنازع بين قادة الجزائر من جهة والملك المغربي الحسن الثاني وابنه الملك محمد السادس من جهة أخرى؛ كل طرف يحاول توظيف شعبيتها سياسيا لتحقيق أغراضه(22/ مقال).

   ما علاقة الحديث عن التصوف السياسي بعالمية الحركة السنوسية؟.

   عالمية الحركة السنوسية والتيجانية وغيرهما كانت بسبب الدوافع السياسية لهما للهيمنة على أكبر مساحة من الأرض وعلى أكبر عدد من سكانها، وتوظيف أكبر قدر من الموارد بالوقف أو بغيره لتتحول زوايا حركات التصوف السياسي إلى إلى دولة داخل الدولة وإلى شبكة تهدد الانتماء الوطني والأمن القومي، وهو توجه يتعارض تماما مع الهويات الوطنية المحدودة.

      يشار إلى بوادر ظهور بؤرة تيجانية في برقة وتحديدا في شحات(23/ 3 روابط)

من الرابط الثالث (الأخير) اقتبس :

   " وأقول لكم إنّ مقامنا عند الله في الآخرة لا يَصِلُهُ أحدٌ من الأولياء ولا يقاربه، لا مَن صغر ولا من كبر، وأنّ جميع الأولياء من عصر الصحابة إلى النفخ في الصور ليس فيهم مَن يَصِلُ مقامنا ولا يقاربه لِبُعْدِ مرامه عن جميع العقول، وصعوبة مسلكه على أكابر الفحول. ولم أقُلْ لكم ذلك حتّى سمعتُه منه صلّى الله عليه وسلّم تحقيقا. وليس لأحدٍ من الرجال أنْ يُدخِل كافة أصحابَه الجَنَّةَ بغير حساب ولا عقاب ولو عملوا من الذنوب ما عملوا وبلغوا من المعاصي ما بلغوا إلاّ أنا وحدي. ووراء ذلك ممّا ذكر لي فيهم وضمنه صلّى الله عليه وسلّم لهم أمر لا يَحِلّ لي ذِكْرُهُ ولا يُرى ولا يُعرف إلاّ في الآخرة". إنه بيع لصكوك الغفران، فهل من منتبه ومدرك لخطورة الأمر؟.

.............................................................................

المراجع مرتبة حسب ورودها بالمتن لأول مرة :

(1) محمد فؤاد شكري، السنوسية دين ودولة، مراجعة يوسف المجريسي، مركز الدراسات الليبية – أكسفورد، الطبعة الأولى (المحققة)، 1426 هـ  2005 م.

(2) إدوارد إيفانز بريتشارد، سنوسي برقة، ترجمة : إدريس محمد التركاوي، ط؟، ت؟.

(3) محمد الطيب بن إدريس الأشهب، السنوسي الكبير.  

(4) عبد الرحمن شلقم، أشخاص حول القذافي، دار الفرجاني، ط2، 2012.

(5) الطيب الأشهب، عمر المختار، ملف بي دي إف.

(6) إدريس فضيل الحداد، نظرات في شعر أبي سيف مقرب حدوث البرعصي شاعر الحضرة السنوسية، تقديم : عمر خليفة بن إدريس، مركز إيقاظ للدراسات السنوسية، ط1، 1444 هـ ــ 2022 م.

(7) رفع الستار عما جاء في كتاب عمر المختار لمحمد الأخضر العيساوي الزنتاني في رده على الطاهر الزاوي : رفع الستار عما جاء في كتاب عمر المختار، لجامعه محمد الأخضر العيساوي العالم بالأزهر الشريف، ط1، 1355  هـ - 1936 م.

 (8) موسوعة روايات الجهاد 13، الجزء الأول، إعداد مصطفى سعد الهاين، منشورات مركز الجهاد، رواية محمد فضيل رزق الله بو النافرة العوكلي، الذي كان أحد المحكومين بالإعدام، وقبض العبيد عليه وأحدهم يدعى بقر!!، ولكنه استطاع الفرار.

 (9) موسوعة روايات الجهاد 23، الجزء الثالث، إعداد يوسف البرغثي، منشورات مركز الجهاد، رواية خليل جار الله الدرسي "بو هولة".

 (10) الطاهر أحمد الزاوي، عمر المختار، دار المدار الإسلامي، بيروت ــ لبنان، ط2، 2004.

(11) المقال : ألغاز السنوسية 1 لغز نهاية الحسن صاحب دور الدقيق :

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2022/09/1.html

(12) يوسف عبد الهادي الحبوش، عمر المختار الحقيقة المغيبة، مكتبة وهبة ــ القاهرة ــ مصر، ط1، 1438 هـ ــ 2017 م.

(13) أحمد بن محمد الشريف السنوسي، الدر الفريد الوهاج بالرحلة المنيرة من الجغبوب إلى التاج، تحقيق : أحمد محمد جاد الله وعبد الغني عبد الله محمود، تقديم : إدريس فضيل الحداد، منشورات جمعية محمد بن علي السنوسي للثقافة والتراث، مجمع ليبيا للدراسات المتقدمة، ط 1، 1443 هـ   2022م.

(14) علي محمد الصلابي، تاريخ الحركة السنوسية في أفريقيا، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع ــ بيروت، ط5، 1432 هـ ــ 2011 م.

 (15) السنوسية من الزاوية إلى الدولة (1841 ــ 1969)، أعمال الندوة العلمية الثانية المنعقدة بالجغبوب يومي 23، 24 ديسمبر 2019م، بحوث محكمة، جمع وتحرير : وليد شعيب آدم؛ رئيس اللجنة العلمية للندوة، ط 2، 2022، منشورات جامعة طبرق.

(16) المقال : الملكية السنوسية من البيعة الاضطرارية إلى تزوير الوصية :

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2024/02/1964-1955.html

(17) المقال : الهوية البرقاوية والهوية السنوسية المشوشة 1 برقة السودا (السواد سنوسي لا برقاوي) :

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2026/04/1.html

(18) المقال : يسألونك عن الدستور والعودة إليه، قل فيهما : ....... :

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2017/07/blog-post.html

(19) مذكرات رئيس وزراء ليبيا الأسبق : مصطفى بن حليم، صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي، ط1، بريطانيا العظمى، 1992.

(20) مقال يتناول الحج الأصغر (زيارة ضريح مؤسس التيجانية في فاس) بالإضافة إلى انتشار الطريقة في إفريقيا وخاصة السنغال :

https://www.hespress.com/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8A%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%85%D8%B4%D8%A7%D9%87%D8%AF-%D9%85%D9%86-%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%85-%D8%A7%D9%84-866072.html

(21) لقاء قناة الجزيرة بالشيخ التيجاني، وهو لقاء مهم جدا :

https://www.aljazeera.net/programs/privatevisit/2008/8/25/%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%86%D9%8A%D8%A7%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9

(22) مقال يرصد التنازع المغربي الجزائري على توظيف التيجانية سياسيا :

https://www.echoroukonline.com/%D9%81%D9%8A-%D8%B8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%A6%D8%B1-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A3%D8%AD%D9%81%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9

(23) صفحة على الفيس تذكر وجود زاوية تيجانية في برقة وفي شحات تحديدا، رابط الصفحة :

https://www.facebook.com/bdalrazqmftahmjyd

رابط أحد منشورات هذه الصفحة الذي يشير لوجود الزاوية :

https://www.facebook.com/100075244226570/posts/pfbid0baMniovz4fpdYH9YfnpAxfQDdwEuCKPmHmFdqPpqjUd84uv3QQeaDXYQHKrX5BFCl/?app=fbl

ورابط ترويجي على هذه الصفحة لمعتقدات التيجانية فيما يشبه صكوك الغفران :

https://www.facebook.com/bdalrazqmftahmjyd/posts/pfbid0n2imu5AA6wNmdWFRiyKBr3w93wt2m4YWMVmgquhQuisnABTpSqt1fo14KYr3wWMnl

 

 

 

 28/2/2026


ألغاز السنوسية 3 أحادية المصدر وانحيازه في سيرة محمد بن علي السنوسي

       لا ادعي الاطلاع على كل ما كتبه مؤرخو السنوسية، ولذلك فالمجال مفتوح أمام من يخالفني الرأي لتذكيري ــ مشكورا ــ بأي مؤرخ جاء بمعلومات ع...