الجمعة، 2 يونيو 2023

المملكة السنوسية : النجاح والعدالة والإنصاف

 

يفضل التصفح من خلال الفهرس الأول : مقالات

رابط الفهرس :

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2024/07/blog-post.html


المملكة السنوسية : النجاح والعدالة والإنصاف

 

او يـارب يا محيي اعظام الرمـــــــة       او منجى اصحـاب الغار م الجهلــية

را الظلم جانا من انظاف العمــــــــة        لباست الـمـعارق تحـت م الطـاقـيـة

الشاعر جعفر الحبوني رحمة الله عليه

 

نجاح الدولة كمية متجهة

     ماذا أقصد بنجاح الدولة؟ أقصد به هنا محصلة جهود السلطة أو النظام الحاكم فيما يتعلق بالتنمية والتطوير وتوفير المناخ والبيئة لجعل حياة (الفئة المستهدفة) مرفهة وهانئة، وما بين القوسين احتراز مهم، لأن هذا النجاح كمية متجهة إذا ما استعرنا هذا المصطلح من علم الفيزياء على سبيل التشبيه، إذ لا يكفي الحكم على جهود السلطة والنظام بالنجاح بل لابد من تحديد اتجاه هذا النجاح، أي ما الفئة المتجه لخدمتها أو الفئة المستهدفة به؛ ويتناسب حجم هذه الفئة وتعدد أطيافها طرديا مع ارتفاع مستوى النجاح وانخفاضه؛ ومن المهم التأكيد على أن الحديث عن الفئة، أي عن جماعة، وليس عن الفرد ومصلحته التي قد توصف بالأنانية، وسوف يتضح هذا التأكيد على الفئة من خلال الأمثلة الآتية، ومن خلال ما جاء في شهادة بعض الشهود.

أمثلة توضيحية

     الولايات المتحدة بعد مرحلة الاستقلال والحرب الأهلية دولة ناجحة، ولكن هل فئة الهنود الحمر من ضمن المستهدفين بهذا النجاح؟ لو وجهنا هذا السؤال إلى أحد الهنود الحمر لما اهتم بنجاح هذه الدولة قدر اهتمامه بعدالتها لأن نجاح هذه الدولة كان على حسابه.

    استراليا دولة ناجحة، ولكن المواطن المستفيد من هذا النجاح ليس من فئة السكان الأصليين حتما.

    إيطاليا حين احتلالها برقة وطرابلس قامت بالكثير من إنشاء الموانئ والمطارات والطرق وخطوط الاتصالات وبث المدارس والمستشفيات وإنشاء المزارع والمساكن الملحقة بها وشبكات الري والمباني العامة ... الخ، ولكن هل كان ذلك من أجل فئة السكان الأصليين؟

    إسرائيل دولة ناجحة، ولكن الفلسطيني كفئة ليس من ضمن المستهدفين بهذا النجاح.

    جنوب إفريقيا في زمن التمييز العنصري دولة ناجحة، ولكن نجاحها لا يستفيد منه السود كفئة.

    المملكة الليبية دولة ناجحة كما يقول مؤيدوها أو ملمعوها، ولكن ما الفئة المستفيدة من هذا النجاح؟ وماحجمها مقارنة بعدد السكان؟ وما أطيافها؟

    ليبيا معمر القذافي دولة ناجحة كما يقول مؤيدوها أو ملمعوها، ولكن ما حجم الفئة المستفيدة من حكم القذافي ومن معه؟ وما نسبتها إلى عدد السكان؟

    ربما أوضح مثال على هذا ما كان في سريلانكا نتيجة الاستعمار البريطاني الذي قدم السنهال (الأقلية) وتجاهل التاميل (الأكثرية)؛ وحينما رحل الاستعمار شعرت الأكثرية بأن الدولة القائمة لا تمثلها فكانت الحرب الأهلية.

    يقول المثل : شهرا ما ينفعك ما تعد أيامه؛ المواطن من الدرجة الثانية والثالثة وما تحتهما لا يهتم بنجاح الدولة التي يقيم بها، ولا يبكي عليها في حال سقوطها، لأنه ــ ببساطة ــ لا يرى نفسه مواطنا من مواطنيها.

شهادات على المملكة

    يبدو أن موضوع نجاح الدولة وعدالتها وإنصافها مما كان يشغل الناس في عهد المملكة؛ وهناك أقوال وأشعار عبر بها قائلوها عن تذمرهم من غياب العدالة والإنصاف وخاصة في برقة، منهم : المجاهد صالح امطير العوكلي وحسين الحلافي وبالقاسم حفتر وجعفر الحبوني وغيرهم؛ وقد يأتي هذا التعبير أحيانا في صورة اعتراف من مسؤولي تلك الحقبة مثل مصطفى بن حليم وعلي أحمد اعتيقه ومحمد صدقي ذهني وحسين مازق وغيرهم. فيما يلي عينة (أرجو أن تكون معبرة)؛ ممن يمكن وصفهم بجدارة بشهود على العصر.

الشاهد الأول : مصطفى بن حليم، أحد أهم رجالات المملكة، وهو غني عن التعريف.

    يروي المرحوم مصطفى بن حليم قصتين عميقتي المغزى والدلالة، كما يدلي بأراء يعترف بها برداءة الوضع ليس في بدايات المملكة بل في سنيها الأخيرة.  

   القصة الأولى من حيث الترتيب الزمني (عام 1954 قبل اغتيال إبراهيم الشلحي)؛ يروي بن حليم من خلالها محاولة عودة ثري إيطالي يدعى مارزوتي إلى أملاكه (مزارعه) في المرج التي كانت له زمن الاحتلال الفاشيستي، وذلك باتفاق مصلحي اقتصادي انتهازي بينه وبين عبد الله عابد محمد الشريف السنوسي، وقد اتفق هذا الأخير مع صديقه إبراهيم الشلحي على المساعدة في هذه العودة الميمونة، وأخبر عبد الله عابد هذا حسين مازق والي برقة حينها بأن الملك موافق على ذلك، فما كان من حسين مازق إلا الترحيب بهذا الفاشي، وحضر معه المآدب التي أقامها على ظهر يخته بميناء بنغازي، وذهب الفاشي لزيارة مزارعه في المرج ترافقه حراسة من قوة دفاع برقة (نعم قوة دفاع برقة!!!) التي يقودها حينذاك محمود اقويطين.

    أما إفشال المحاولة؛ فلم يكن للمسؤولين البراوقة علاقة به، بل كان بفعل المؤامرات والدسائس داخل العائلة السنوسية؛ ورب ضارة نافعة؛ فحسب بن حليم فإن هذا الحدث استغله أبو بالقاسم أحمد محمد الشريف السنوسي العدو اللدود (حسب بن حليم دائما) لابن عمه : عبد الله عابد محمد الشريف السنوسي ولإبراهيم الشلحي، حيث قام بإثارة قبائل الجبل الأخضر وشجعهم على رفع شكوى مستعجلة إلى الملك، وأسر إلى هذا الأخير أن عبد الله عابد يصرح علنا بأنه أي الملك موافق على عودة هذا المستعمر الفاشي، واستشاط الملك غضبا وأنكر علمه بالأمر، وأوقف حسين مازق عن العمل، وجرد عبد الله عابد من لقبه وأمر بوضعه رهن الإقامة الجبرية؛ أما محمود بو قويطين وإبراهيم الشلحي المدللين فلم يتخذ ضدهما أي إجراء(1/ ص 115 ، 116).

     القصة الثانية جرت أحداثها عام 1954 بعد اغتيال إبراهيم الشلحي، حينما وافق الملك على اقتراح بن حليم بالتحول إلى النظام الجمهوري، وكان ذلك بحضور حسين مازق و(موافقته)، وبعد الاجتماع أسرع حسين مازق لتحريض أعيان برقة للضغط على الملك لإفشال المحاولة وهذا ما كان(1/ ص 126 ــ 131 ).

   هذا من ناحية تبيان مواقف كبار المسؤولين البراوقة وما يمثله إنصاف أهل برقة وعدالة الدولة تجاههم في قائمة أولوياتهم.

    أما من ناحية نجاح الدولة فلبن حليم رأي شديد الأهمية والحدة بالخصوص؛ فقد وصف فيه الوضع عام 1969 لصديقه المهندس المصري خطاب محمد الذي جاء لإقناعه برئاسة الحكومة بناء على طلب الملك.

    لقد وصف بن الحليم الوضع بقوله : "يا خطاب بك لقد اتسع الخرق على الراقع، ولا أظن أن الأزمة الحالية يمكن لأي شخص بمفرده أن يتمكن من معالجتها والتغلب على تيارات الفساد التي بلغت الذروة" (1/ ص 535)؛ "وقلت لخطاب بك : إن علاج الانهيار في الدولة الليبية لم يعد يصلحه الأسبرين! إنه يستدعي جراحة تستأصل سرطان الفساد"(1/ ص 537).

التعليق على الشهادة الأولى

    تناول بن حليم في شهادته في الاقتباسين الأولين (القصتين) ضمنا عدالة الدولة وإنصافها تجاه أهل برقة، وهو تناول يثير الشكوك حول توفر هاتين القيمتين؛ وتناول في الاقتباسين الأخيرين نجاح الدولة، وقد أثار الشكوك حوله أيضا، فإذا كانت نظرة بن حليم عام 1969 إلى المملكة (ليس في بداياتها بل في سنيها الأخيرة) أنها في حاجة إلى عملية جراحية فهذا يعني : أما أن المملكة لم تكن بالصورة التي يصر عليها الملمعون أو أنها انحدرت سريعا.

   وثمة تساؤلات قد تدور بذهن القارئ من قبيل :

1 ــ هل علينا أن نصدق بن حليم؟

2 ــ لماذا أفشل حسين مازق تحول النظام الملكي إلى النظام الجمهوري رغم موافقة الملك المؤكدة وترحيبه ؟ فكان ملكيا أكثر من الملك؟ ولم يفشل عودة ذلك المستعمر القديم إلى برقة رغم موافقة الملك الظنية؟

3 ــ هل كان الملك لا يعلم بقصة عودة مارزوتي حقا؟ وهل يمكن لإبراهيم الشلحي إخفاء الأمر عليه؟ وإذا فعل ذلك فما الدلالة والمغزى؟

4 ــ لو علم الملك بعودة مارزوتي ولم تحتج القبائل أو لم تعلم بالأمر أصلا ما ردة فعله؟ هل يعارض تلك العودة؟

5 ــ إفشال عودة مارزوتي التي تمت بسبب العداوات والمكائد والدسائس داخل الأسرة السنوسية بم يوحي وما دلالته؟ وما علاقة ذلك بنجاح الدولة؟

    بالنسبة للتساؤل الأول فمن المرجح أن بن حليم كان صادقا؛ إذ أن معظم من ذكروا في شهادة بن حليم قد علموا بها، ومن مات منهم قبل صدور كتاب بن حليم (1992) فقد علم به ابنه أو حفيده، ولم يرد إلى علمنا أي اعتراض منهم على هذه الشهادة، أي على ما يخصهم من الكتاب.

    وبالنسبة للسؤال الثاني فهو يكشف عن هذا الخلط الذي يعانيه أهل برقة بين الانتماء لبرقة والانتماء للسنوسية، وأن البراوقة قديما وحديثا بنسبة مؤلمة لا تقل عن 99.99% لا يجدون إجابة مقنعة عن التساؤل المحرج : هل أنا سنوسي؟ أم برقاوي؟ هذا الفصل بين الانتمائين كان واضحا تمام الوضوح عند جعفر الحبوني، فقد كان برقاويا لا سنوسيا كما سيرد في شهادته، وخاصة في البيتين اللذين صدرنا بهما هذه المقالة.

    أما بالنسبة للأسئلة الأخرى فمتروكة لفطنة القارئ إذا ما اقتنع بصدق الشاهد، فهي أسئلة تحمل في أحشائها بذور الإجابة.

الشاهد الثاني : علي أحمد عتيقة

    تكنوقراط مصراتي من طرابلس، أحد رجالات المملكة، الذي عمل مع علي نور الدين العنيزي (المحافظ الأول للمصرف المركزي بالمملكة)، ثم عمل وكيلا لوزارة التخطيط، ثم وزيرا للتخطيط في آخر حكومة من حكومات المملكة، وبعد مجيء القذافي تولى لسنوات رئاسة منظمة الأوبك.

    يقول المرحوم علي عتيقة : "وفي الفترة نفسها توليت شخصيا إعداد تقرير البنك السنوي الرابع الذي تناول بالعرض والتحليل لأول مرة التطورات الاقتصادية العالمية مع التركيز على الاقتصاد الليبي وتطوره بعد دخول شركات النفط للاستكشاف والعثور على مكامن النفط في منطقتي العطشان أولا وخليج سرت ثانيا. أوضح التقرير طبيعة الاقتصاد المزدوج بين قطاع التجارة والخدمات الذي كانت تسيطر عليه جهات أجنبية من بينها طليان ويهود، والقطاع التقليدي المتخلف الذي يكسب منه أغلبية السكان عيشهم"(2/ ص 149).

الشاهد الثالث بالقاسم حفتر الفرجاني

   اشتهرت للمرحوم بالقاسم حفتر قصيدة جامعة مانعة بالخصوص تؤكد على غياب العدالة والإنصاف وتوجه الدولة لخدمة الأجنبي وعملائه، مطلعها(3/ مقال) :

الغرسة اللي [راويينها] بدمــــــــــانا

وين اثمرت  ما شي منها جــــــــــانا

أو

الغرسة اللي ساقيينها بـــــدمــــانا

وين اثمرت ما شي منها جـــــــانا

   يقول فيها :

الـغـرسة اللي راويـيـنـها بـدمــــاهـم

وين اثمرت ما شى منها جـــــــاهم

اللي في المســوع يـتـقوا بضـــناهــم

وباتوا بلا تكفين لا دفّـــــــــــــــــانة

ولا ارفعوا على الطليان نين فنــاهــم

رصاص الحبش والطير والهجّــانة

اللي ابذلــوا قل للسيد لا تنســـــاهــم

اليوم من جنابه طالبين العــــــــــانة

إن دارت الــدنــيــا هم اللي يلقـــاهم

را الدهر [متقلب] قليــل أمـــــــانة

**

حــــــلّــــــقــوا حــــــــــــــازوهــــا

واللي اسقطت من عرجونها لقطوها

وغِرْسَت امغـــــير اليوم يحسابوهــا

عيــون اللـتـايح قــاويـات امعــــــانا

وهي من زمان اسيادنا اغرســوهــا

ثلاثــيــن عــام وهي ادمـا ريـــــانة

التــاريخ يعرفهم اللي حـــــــامـــوها

ركابيـن ع اللي غـاليــات اثـــــمانه

اللي رخّـصوا لرواح نين فــــــدوها

اعيال البــــــــوادي حاملين الهــانة

**

انـــصـــــــار الــمــــــــــــــــــلـــة

اللي امعــانيين الكيــــــــد كــله كله

اليـوم مــن مصالـــح وطنا في غلـة

وما نـحســبوا هذا اردود اكفــــــانا

خــدامـــة عـــدو الــــدين بوبرطلــة

حتى ويــن باعـد ماسكــيــن مكــانه

وهـذا راه كي رتعـة ربيـــــع العلــة

حتى لـو زهـا لاســبد من ارديــانه

**

حــــــــــــاز رطـــــــــــــــــــــبــها

الحزب المخالف في اسنيــن تعبـها

يا ما جهر حـال غـايـته يــقـــــلبــها

لكن مثـبـتـها الله سـبـحـــــــــــــانه

اتهـندل امعا لجــناب ما يحســـبــها

وعـرجــونها يـثـقـل علي الــوزانة

خليك من الشياخة بات هو صاحبـها

الملك سامـحـه ما واخـذه بـعـفـــانة

ناس واجدة لو ملكنا [عاقبــــــــــها]

كان يتعب الشــناق والنـوشـــــــانة

**

غــــــرســة الحــــــــــــــــــريــــــة

لا انبتت بعــلي لا بمــاء مـسـقـيـــة

اروى عـرقها من دم [المجـاهديــة]

علي شانها كـم عـامـرة جـبـانــــــة

وكـم جيش جا واجد ورد شـــــويــة

عليه وين ماهــدوا اكـثر فـــــسدانه

فات الســلاح وروبة الـثـقــلــــــيــة

او فات المدافع في محاس مكانـــــه

أيــام والشويخ يقود في الحربــــيــة

كم يوم عــــز مــرتـبـه مــيـدانـــــه

وين ما يصادف جيش ليطالـــيــــــة

اصداف ذيب لِمْعيّز سرى بـجـديانه

لا يفـوت لا شـارف ولا اعجـميــــة

ولا يغيب عنه ذيب له في الحــــانة

بلاه قبل ما تقضي ولا مقــــضيـــة

اواليوم مندفن هاين عقاب زمـــانه

ماسكــين مطراحه الشنبــاشــــيــة

اللي للموظف لجنــبي زيـــــــــانة

**

اللي للموظف لجنبي تينـــــــــــاحة

وكان تم من الطليــان بيـه فـــراحة

وانكان [يشتري] في وطنهم رباحة

إن زال عندهم ديمه ارخاص اثمانه

**

الغرسة اللي راويينها يا ســـــــــيدي

قاعدين في عازة وحـال زهـــــيدي

ان جوا لحاكم المركز اتقول عبيـدي

علي سوالهم يبــقى امســـــــكر ذانه

ما اتقول شي حضروا نهار صهيدي

وجيــش العـدو ردوا بعد ازحــــفانه

وعاد في لجانب يضربوا تكمــــيدي

كم قيقني طاح وخذوا نــيشــــــــانه

ما ادفعو من شملول طاح شهيـــدي

[اللي] فـاهــقــة واسـع علي حبــانه

جايبه شرف مو جايبه تلمــــــــيدي

رغيب في ارضاء ربه يريد اجـنانه

ما جت الحرية بهالفـنـيـــــــــــــدي

وناس يعملوا في الفارغة مليــــــانة

**

واحــنـا اللي كـســـــــــــــــــــــرنا

جيش طاليا يا ما عليه حــــــــــدرنا

وما مـن اللي ما يـنفدوا ودرنـــــــا

اللي اغيابهم واخطورهم كــــــــدانا

وين ما اشـوينا للخــلا صـــــــدرنا

مهاجرين والسيد ادريس امعــــــانا

مِـتّبــعين مــا بيه الرسول امـــــرنا

ما نسلموا فَوْطانّــــا لعـــــــــــــدانا

**

القصيدة صادقة وقوية ولا تحتاج لشرح، ولكن ربما من الأفضل التوقف أمام بعض أبياتها :

اليـوم مــن مصالـــح وطنا في غلـة

وما نـحســبوا هذا اردود اكفــــــانا

في هذا البيت تتجلى خيبة الأمل في السنوسية ممثلة في إدريس السنوسي فهو المسؤول الأول والوحيد.

وهـذا راه كي رتعـة ربيـــــع العلـة

حتى لـو زهـا لاســبد من ارديــانه

هل في هذا البيت نبوءة بسقوط المملكة لافتقارها للعدالة والإنصاف؟

هناك أبيات أخرى ربما وقع الشاعر فيها ضحية التزييف للتاريخ مثل :

وهي من زمان اسيادنا اغرسـوهــا

(ثلاثــيــن)؟ عـام وهي ادمـا ريـانة

بعيدا عن التزييف فإن الأسياد لم يخسروا شيئا بل جنوا ثمارها جاهزة، ويرد على هذا البيت البيتان التاليان :

التــاريخ يعرفهم اللي حـــــــامـــوها

ركابيـن ع اللي غـاليــات اثـــــمانه

اللي رخّـصوا لرواح نين فـــــــدوها

اعيال البــــــــوادي حاملين الهــانة

من الأبيات التي جاءت ربما بسبب التزييف أيضا ولا لوم على الشاعر في ذلك فالتزييف والتلميع كانا متقنين ومكثفين :

وين ما اشـوينا للخــلا صـــــــــدرنا

مهاجرين والسيد ادريس امعــــــانا

    في الواقع أن قادة السنوسية تسربوا مبكرا من ميدان الجهاد واحدا تلو الآخر ومنهم من تعاون مع إيطاليا.

الشاهد الرابع : الشاعر جعفر الحبوني

   الذي يلخص فلسفته ــ التي تعبر عن حبه للصراحة والشفافية وخلفيته الدينية، والتي ظل مخلصا لها طول حياته ــ في الأبيات الأتية(4/ ص 5)  :

الــديــــــــــــن نــــصــــــــوحــــــة

ورا الحي ما يـنظـر نـواقـص روحه

لـو كـان الـصـراحة بـيـنا مـطـروحة

تـبـرا جـمـيـع نـفـوســـنـــــا مـن داها

ورا الـدود مـا يـدخـل اللي مـفـتـوحـة

واللي مـسـكـرة يـفـسـد نـسـوم هـواها

      تناول المرحوم جعفر الحبوني في شعره فيما يخص الشأن المحلي : (1)الفساد الاقتصادي والتفاوت الطبقي و(2)سيطرة العنصر الأجنبي وغياب العدالة والإنصاف و(3)القواعد الأجنبية ، وما يهمنا هنا هو ما جاء في رقم(1) ، (2)، والمختارات الآتية من ديوانه (نور العدالة) :

من قصيدة ألفها سنة 1953 م يقول(5/ ص 3) :

أيام قبل ما نحــسب إلا الـحــــــــرية

امعـيشـة عــداله للعـرب جـمـــلـيـة

نـحـســـبـوا مـعـــنــــــــــــــاهـــــــا

منصوب ع العـداله والــرخا مبناها

بعــنا عــزيز الـروح في ســـــــباها

واحـنـا انجـاهدوا بالـمـال والــذرية

ارقـود العـقـيـلة نايـمـيـن افـــــــداها

واموات البـريـقـة يشهدوا جـمـلـيـة

كـمـيـن هـول صار لنا أو لا طـلناها

وانصف الله أو جـابـهـا بالـــنـــــيـة

لكن اللي [جانا] امـغيـر اســـــــماها

مكسبها الواحـد في اعـداد الـمــــيـة

اللي ماينــوا طــالوا حــدود امـنــاها

واللي دافـعـوا تـموا امـغـير رعـيـة

    ومن هذه القصيدة يتضح صدق حدس الشاعر وتفطنه مبكرا (1953) إلى وجود خلل ما، ربما في التأسيس، وعليه فإن هذه الدولة لن تكون لا منصفة ولا عادلة.

ومن قصيدة أخرى بدون تاريخ يقول(5/ ص 6) :

او يـارب يا محيي اعظام الرمـــــــة

او منجى اصحـاب الغار م الجهـلية

را الظلم جانا من انظاف العمــــــــة

لباست الـمـعارق تحـت م الطـاقـيـة

    وهذان البيتان يصل بهما الشاعر إلى أعلى درجات الجرأة دون أن يتخلى عن الموضوعية؛ فلباسة العمة وواضعو الشنة فوق المعرقة هم السنوسيون، والشاعر يشهد الله أنهم مصدر الظلم كله، ولكن موضوعيته تجعله يقر لهم بنظافة اللباس (العمة) التي لا علاقة لها بنظافة السلوك والسرائر بالضرورة؛ بهذين البيتين يكشف جعفر الحبوني عن مستوى رفيع من الوعي يمكنه من الفصل بين الانتمائين : البرقاوي والسنوسي، هذا المستوى من الوعي يفتقر له جل إن لم يكن كل من ينادون بحقوق برقة الآن.

ومن قصيدة البحر 1956 يقول(5/ ص 15)  :

هـــاج البحـــر عنـدي بعــد تهويدة

تغـيـظ وجـا دايـر أمـواج جـديــــدة

هـــــــــــــــــــــــــاج تـــقـــــــــــوا

مـتـغـيـظ وريـحـه لاعـبة لا جـــوه

قـل العـدالة هـو البــايـن تـــــــــــوا

والحـق ويـن مـتواري الناس تريده

هـذا وقـت يحمـينا الله من ســـــــوه

لا فـيـه خــيـر ولا اهـناك عـقـيـــدة

    العقيدة تعني هنا المصداقية في القول والفعل التي تبعث على الثقة.

وهذه أقصر قصيدة بالديوان(5/ ص 16 ، 17)  :

حكام مرحباهم خطف كيف اتجيــهم

للخــيـر والـتـواضـع ربـنا يـهـديهـم

حــكـــــام مــــاهــم خـــيـــــــــــره

او لاهم مـعـانا نـاويـيـن ســتــيـــرة

غـايـرين في رزق الـعـباد امغيــرة

عـلى كل ما داروا الله يـكـفـيــــــهـم

حكام مرحباهم خطف كيف اتجيــهم

للخــيـر والـتـواضـع ربـنا يـهـديهـم

مــــرحـــبــــــاهـم قـــــــــاصـــــر

او جـملة عـمـلهم ما امـوافق خاسـر

حكام في المناطق دايرين منــاصر

انصـار من قـبايلـهم ومنـهـم فـيــهـم

ان كان لك وساطة فالخبر تجــاسر

وان كان ما امعاك كتوف لا ترعيهم

مو عاد متواري عملهم خـــــــاسر

وبـقـل العـدالة كل حـد طــــــاريهم

الله يجـيـبهم في يــد عبد الناصـر

نـيـن العـدالة والشــرف يـــــوريهم

حكام مرحباهم خطف كيف اتجيــهم

للخــيـر والـتـواضـع ربـنا يـهـديهـم

 

    عام 2013، بعد نجاح المصريين بقيادة الفريق عبد الفتاح السيسي في التخلص من حكم الإخوان، انتشر ببرقة البيت التالي :

نبوا سيسي كي سيسيهم   يركب فيهم    جــملة لخوان يصفيهم

نبوا سيسي كي سيسيهم   يركب فيهم    بو كتف امعا صلابيهم

   كان مؤلف هذا البيت يأمل في ظهور نسخة محلية من السيسي، أما جعفر الحبوني في قصيدته هذه فإنه لا يريد نسخة محلية من جمال عبد الناصر بل يريده شخصيا يتدخل ليربي تلك الطغمة الحاكمة!.

    من قصيدة سميت (المجادلة) 1958 وهي عبارة عن حوار بين الشاعر والعقل(5/ ص 19 ، 20) :

الشاعر :

أيــــــــش انـــــــــــديـــــــــــــــروا

احـنا نـنـزلوا والا مطـار نطــيـروا

وامعي الطــرق توا انريد انســـيروا

مــنحـاش العـدالة عـنـدنـا معــدومـة

غصـبا عـلـيـنـا في لامور انحـيــروا

مـتكـرهب الجو أو غـارقات انجومه

العقل :

خـــلـيـك جـــوّك صـــــــــــــــــافي

لانـك إيـســيــر أو لا وراك صفـافي

وخــلّي مشـاكـيـّك إيكــونـن خـــافي

تـبـيـيـن العـلل مـرات فـيـه نــدومة

حــريتــك امعاك ورايـتـك رفــرافي

تحــمـد الله ونعـمـــتـك مـتـمـــومـة

ما تـفـتــكر حـكـم [العــدو الجـافي]

أو حبـس العـقيلة والعـرب ملمومة؟

الشاعر :

خطّر عـليـك الخـيـر قـبـلـك نــاسي

حــبس العـقـيــلة والـعـذاب القـاسي

انـريد عدل في هاذاك يبـري بـاسي

في دارهـا فـاقـد تـريـس اقـــرومـة

مـنـشاب نـارهم مازال في مقبـاسي

راحـوا بـلاش وكـل شـي بـسـومـه

يـعــوض الله فيهم مخــــايـر ناسي

ضرابة العدو وقـتن ايشن اهجومه

 وفي قصيدة بتاريخ 1963م وقد سميت (شرح البترول) على علاقة بالقصيدة المشهور مطلعها : 

(ويــن ثـروة البــترول يا سـمسـارة

اللي ع الجـرايد نســـمـعوا بخبـاره)

يقول من قصيدة (شرح البترول) هذه(5/ ص 23 ، 24) :

نـسـيـوا ابـريـقـة م العـقــول نـسـيـة

او دار العـقـيـلة وايـش صـار زمــان

او مـحـشـر سـلـوق ومـوتـنـا بالمـية

والمـقـرون مـا فـيـهـا فـنـوا فـرســان

او نـسـيوا ارواحـا طاهـرات زكـيـة

واليـوم اصـبـحوا صدقـان للطـلـيان

.............

..............

.............

..............

أفـــــراد استغلـوا فرصـتا وقـتـيـة

وأثـروا ثـراء فاحـش بلا حـسبــان

عــلالي ورقــاصات طــــلــيـانـية

او في كل شركة واخــذين مـكــان

أو داروا جـرر للنـاس لجنــــابــية

وتمـت عـلـيـنا دايـرة دنــــــــــدان

للمان والطليان أنصار للـفـاشـــية

اللي قـتـلـوا الحـريـم والصـبـيــان

عمال وطنا خــدام باليـومـــيــــــة

او جوني عليهم له اشراف او شان

اطــناشر جني لولادنا الـمـهــــــيـة

واخـريـسـتـو مهيته ما لها احددان

ان كان الحساب قـلـيـل ياخـذ مـيـة

من غـيـر الغـذا والـنـوم والـدخـان

او نيتـه علــينا كيف ســم الـحــيـة

والصـــل راه ما يـولد الا ثعبــــان

    الشاهد الخامس : الشاعر حسين محمد الحلافي

    عبر الشاعر عن رأيه في قصيدتين إحداهما مسايرة أو تأييد لقصيدة لمصطفى عبيد الترهوني والقصائد الثلاثة من ديوان الشاعر حسين محمد الأحلافي الصادر عام 2004، ولكي لا يسارع المشككون في المصداقية كعادتهم بالقول أن كل ما قيل عن السنوسية بعد 1969 هدفه تشويه السنوسية أشير إلى الآتي :

جاء في الشكر لمن ساعدوا المحققين :

"ونتوجه بالشكر لكل من :

الدكتور علي سليمان الساحلي لتفضله بقراءة المخطوط وإبداء العديد من الملاحظات والتصويبات.

الشاعرين الكبيرين الأستاذ حسن السوسي والأستاذ راشد الزبير لما أفادانا به من الشهادات التاريخية والإضافات.

الأخ الدكتور منصور محمد الكيخيا، لإسهامه في تدقيق البيانات عن المواقع الجغرافية الواردة في الفهرس.

الأستاذ أحمد القلال، لما زودنا به من معلومات عن بعض الأعلام.

الأخ الدكتور سعيد عبد الرحمن الحنديري، والأخت نعيمة السعيطي من فرع مركز جهاد الليبيين ببنغازي لعونهما في تدقيق البيانات الواردة عن بعض الأعلام ومعارك الجهاد الواردة في الفهرس.

الأخ سالم حسين الكبتي لمعاونته بتزويدنا ببعض النصوص والمعلومات.

الحاج مراد الدرسي رفيق الشاعر في الأزهر الشريف لشهادته عن الشاعر وحياته وشخصيته"(6/ ص 13).

    علي سليمان الساحلي وحسن السوسي وراشد الزبير ومنصور محمد الكيخيا وأحمد القلال وسالم حسين الكبتي، وهم من الشخصيات المشهورة، مشاركتهم دليل على موضوعية المحققين وعدم خضوعهم لأي توجيه من السلطة القائمة؛ (من قبيل تشويه السنوسية أو المملكة)، لأن هؤلاء الرجال، منهم من هو من الأسرة السنوسية؛ (راشد الزبير) ومنهم من هو محايد أو يرجح ميله للسنوسية وللمملكة، والشاعر نفسه؛ (حسين محمد الحلافي)، جده من ضمن من جلبتهم السنوسية من خارج برقة؛ فهو محسوب على السنوسية، ولكنه آثر الصدق وأدلى بشهادته ولم يكتمها أو يزورها، تغمده الله برحمته الواسعة وجزاه عن ذلك خير الجزاء.

    كما أن تاريخ نشر الكتاب (2004)؛ أي بعد سقوط صدام حسين وتوجه النظام للمسالمة حتى مع المتطرفين وتغير الخطاب والتخلي عن هجاء السنوسية يؤكد حيادية المحققين ويمنح الكتاب قدرا كبيرا من الموثوقية.

القصيدة الأولى :

   "سجل الشاعر تاريخ إنشاء هذه القصيدة بسنة 1943. ويتضح من سياقها أنها قيلت بعد عودة المهاجرين إلى أرض الوطن، وتكوين أول حكومة وطنية في برقة. وتبدو في القصيدة أول ملامح لمشاعر خيبة الأمل التي أصابت العديد من المهاجرين والمجاهدين الذين تحملوا مختلف التضحيات في سبيل الوطن، مجاهدة للاحتلال، ومكابدة لآلام وعذابات التنكيل والتقتيل والنفي والهجرة، ثم لم يلقوا حين تحرر الوطن ما كانوا يستحقونه من التقدير والاعتراف، بل على العكس بدأوا يشاهدون كيف ارتقى للمواقع الأمامية، وللمراتب العليا في الإدارة والحكم، من كانوا مستسلمين للعدو، ومنهم من كان خائنا ومتواطئا مع المحتل ضد أبناء وطنه"(6/ ص 123، 124).

 

الـلـي جاهـدوا بـاموالهـم ودمـاهم

ما حصلوا م الـوطن غـير شقاهـم

**

اللي جاهـدوا باموالهــم ودقــرهـم

وباعوا انفـسهـم نـين راح اكثرهم

اليوم حالهم يـشغل ابقي حاقـرهـم

اللي في زمان الحرب ما يسواهم

**

اللي في زمان الحرب كان يماين

مـسـلـم ذلـيل مع الـنصارى خاين

مـشـوا م الـبلاد وهـو لهـم يـزاين

حتى في البحر لو طال خاض معاهم

**

يخوض البحر لو كان قـالـوا هيـا

إلا يخاف يلحـقـهـم يـقــولـوا فـيـا

اليوم تم متـفـقـعـص علي كرسيه

تقول هو اللي من لـيـبـيا جـلاهـم

**

تــقــــول هـــو الـلي حـــررهـــا

ومن كل غاصـب هو اللي طهرها

وهو اللي حكـومة طـاليا كـسرها

وهـو اللي جـمـيع جـنودها فـناهم

**

نــــــســـي مـــــــاضـــــــيـــــــه

وهـو كان منهـم واخذ الجـنسـيــة

ومعلق صلـيـبـه فوق م الطـاقيــة

ويخش الكنيسة في الصلاة وراهم

**

القصيدة الثانية :

     "في السياق نفسه الذي تعبر عنه القصيدة السابقة، ولكن بعد مرور عشرين عاما بالضبط على إنشاء القصيدة الأولى، أي في عام 1963، أنشأ الشاعر هذه القصيدة ردا على قصيدة للشاعر مصطفى عبيد الهوني يقول في مطلعها"(6/ ص 125، 126، 127) :

نـريـدوا الحـق يا ليبيا عـطـيـنا

ونريدوا العدل كان نحنا ضناك

     "وفي هذه القصيدة يعبر الشاعر أيضا، وبنغمة أكثر حدة، عن شعور تلك الفئة من المجاهدين والمهاجرين بخيبة الأمل التي بدأت تتطور لتصبح صرخة احتجاج قوية، واتهاما صريحا للإدارة التي تولت شؤون البلاد آنذاك بالظلم وعدم الإنصاف، بل بمحاباة أولئك المتخاذلين المتواطئين مع العدو الغاصب، على حساب أبناء الوطن الشرفاء الذين كانوا يستحقون معاملة أفضل، تعترف لهم بقدر من الفضل، فإذا هم لا يجدون حتى الحد الأدنى.

      كما يعبر فيها أيضا عن مشاعر التذمرالتي بدأت تشيع في أوساط فئات عديدة من الليبيين بسبب تزايد مظاهر الثراء الفاحش، والترف المستفز، لدى فئة من كبار الرأسماليين وموظفي الدولة، وبقاء العديد من فئات الشعب، ومن بينهم أولئك المجاهدون والمهاجرون، يعانون مصاعب الحياة، ومظاهر البؤس والتعاسة".

مو غـلـطـان من قـال انصـفـيـنــا

نـريـدوا الـعـدل كي ربـي عـطاك

انـتـي هي لـم واحـنا اللي اشـقـيـنا

فـي ســبــاك وحــمـلـنـا صــغــاك

لـلـطـلـيـان مـا هــنـتـي عــليــنـــا

كـيـف الكلـب بـاسـطولـه غــزاك

حـاربـنـاه مـا ســاعـة رضـيــنـــا

بـلـسـتـعـمـار، ما طـعـنـا عــداك

بـعـــنـا روس لـبـطـال وشــريـنـا

كـي بــالــروس تــمـيــتي شــراك

ثـلاثــيـن عـام زيـديـهن اثـنـيــنــا

والـبـــارود يــــــرزم في عــلاك

احــــنـا هـلـك بـدمــانا ســقـيــنــا

تــرابــك نــيــن رويــنـا ثــــراك

أيــام الـكــرب عـانـيـنـا سـنــينـه

وذقـنـا الـمــر وحـمـلـنـا جـفـــاك

مـا من شـيـخ فـي شـانك عـطـينا

ودرنـــاه، والــعـــنــــه فــــــداك

كـــان يــجـــود والـنعـمة ضنينة

يــفــك الجـار لا صـار الـعــراك

وكـيـف الـيـوم تـمـيـتي سـميـنــة

ودرك فـاض داروا لـه اشـــراك

[حلـيـبـك صـرف عـدى من ايدينا

لـلي كــان مـــتــفــــرج هــنـــاك

بـقـي محـروم حـتـى م الشـنـينــة

الـلـي بـالـحــق يــسـتـاهـل لـبـاك]

    ما بين [، ] ألا يذكر بقذارة المجلم "حليبك كمل قانون وهلك يا غلم في عازته"؟ والقذارة : "جواعى ضناك وهلك رعيانك لمن فيك يحلبوا؟"؟ اللتين قيلتا في انتقاد إنفاق معمر القذافي على الخارج؟!.

الحق هـو وين، يا شاعـر اوريـنا

وجهـه السمـح، ونـشـيـلـو ثــنـاك

دورنـــاه واجـــد مـــا لـــقــيــنــا

يــمــكـن راه مـــتـخــفـي حــذاك

وحل فـي ناس هـالـدنـيـا الـشـينـة

هـج هـجـوج خـايـف م الــهــلاك

مــفــيــت الله بـالــقــوة يــعــيــنـه

مـع هـالـقــــوم مـو لاقـي ســلاك

الـلـي طــال يــا لـيـبـيـا عــلـيــنـا

حكـم أيـام، فـي بـطـنـه كــــــلاك

الـلي مـا تـم بــيــبـالـه وضــيـنــه

دار الــيــــوم يـا لـيـبـيـا امــــلاك

ونـحـنا كـيـف ضـحـكت له نسينا

مــا بــا يــحـــس مــن دانا وداك

الشاهد السادس : مصطفى عبيد الهوني

   نص قصيدة الشاعر مصطفى عبيد الهوني التي أيدها الشيخ لحلافي(6/ ص 193، 194) :

نـريـدوا الحـق يا ليبيا عـطـيـنا

ونريدوا العدل كان نحنا ضناك

ارواح اعـزاز باسـبـابـك فـنينا

ايـــام الـظـلم م الـعـدوان جـاك

ومـازال وقـت تـنـضامي علينا

نـشـيـلوا سلاحـنا نـموتوا فداك

نـحـنا الوقــت عـديـنـا سـنـيـنـا

اكـدار وقـهـر ما ريـنا زهــاك

ان جاك الخـير نحـنا ما يجـينا

وان جـاك الشـر نـتـقـوا بـلاك

يـا غـــوثـاه يـا نـاري عـلـيـنـا

رحـنـا بـيـن هـــذا وهـــذولاك

قـبـل الــمـوت تـبـي تـدفـنـيـنـا

كـان يـا لام بـنـعـدوا خــطـاك

نـحـنـا الشعـب وانتي والـديـنا

لا تديري فرق كان ربي هداك

ان درتي خير فضلك شاكرينه

وان درتي شر ما نردوا كفـاك

عندي عين ما تـبـطل حـزينــة

وعندي قلب مشرف ع الهلاك

انتي اسبابهن يا امي الحـنـيـنة

لانـك خـــيــر لا نـقــدر بـلاك

فـيـك الكـبـد يا لـيـبـيـا رهـيـنة

غـصب عـلي نــتحــمل جفاك

[نـبـكـوا حذاك ليش ما تسكتينا

وانـتي دارة ربي عـــطـــــاك

حـلـيبك في اوروبا شاربـيـنه

........... يـا لـيـبـيـا عــــداك]

    ما بين [، ] ألا يذكر بقذارة المجلم "حليبك كمل تشحيت وهلك يا غلم في عازته"؟ والقذارة : "جواعى ضناك وهلك رعيانك لمن فيك يحلبوا؟"؟ اللتين قيلتا في انتقاد إنفاق معمر القذافي على الخارج؟!.

رايـك كـيف، ما نا عـارفـيـنه

تعطي الغير وتجوعي ضناك

بـتـرولك ويـن يـمشي خبرينا

حـذا الكـويـت حاطينه اسماك

ونـحـنـا شي مـنـه ما يـجـيـنــا

ولا انتي بـيـه كسيـتي عضاك

لا طـيـار نـسـمع في حــنــينه

نـبـهـت فـوق نلـقاه في سمـاك

يرعى الوطن من ظالم يـجـينا

فـيه يـقـود واحـد مـن ضـنـاك

هـذي مـنـيـتي كـانـك تـبـيــنـا

نـقـولـوا الحق غـايـتـنا هـنـاك

مرفوع الراس متهلل جـبـيـنـه

ولـدك وقـت مـا يـلاقي عـداك

سـلاح يـكـون مـنـك في ايدينا

جـيـش وشـعـب يضامن معاك

نـردوا عداك كانهم جوك رينا

وانتي يـشـيـد في الخارج نباك

كـثـر الـدي ما يـصلحـش بـينا

لـولا الضـيم ما واحـد طــراك

خـطـيـنـا كـانـا سـامـحــيــنـــا

كـلامـنا غـير من كثرة غـلاك

مـريـضـة وداك مـانا عارفينه

ولا لـقـيـنـاه مـازلـنـــــا دواك

نـخـتــم بالصـلاة علي نـبـينــا

وحـمـدنـا الله كل نعـمة عطاك

الشاهد السابع : أحمد رفيق المهدوي

    يبدو الخلل في التأسيس قديما؛ قبل قيام المملكة سنة 1951 م؛ يستشف ذلك مما جاء في شهادة حسين الحلافي في قصيدته الأولى التي تاريخها 1943م، كما يستشف من هذه القصيدة لرفيق المهدوي التي تعود لسنة سنة 1949؛أي عهد الإدارة البريطانية(7/ ص 113) : 

عنوانها : أنا ساكت

قالوا : تكلم، قلت : لا، حتى أرى

ما في القضيـة من طبيخ يطـــبخ

إني أخـاف بـأن أكـون كــزامــر

للصـم، أو في غـيـر نـار أنـفـــخ

قـلبـي يحــدثــني بــأن مـمـثـــلا

خـلـف الستـائر للحـقـائـق يمسخ

أمـا الـذي هو في الحـقيقة واقـع

وطــن يـبـاع وأمـة تـتـفـســـــخ

مـاذا أقـول؟ ومـا تــراني قائلا؟

أنـا سـاكـت لكـن قـلـبي يصرخ

أبـكي عـلى شـعـب يـسـير أمره

مـتـزعـمـون وجاهـلون وأفـرخ

إني لأعجب كيف كل الناس لـم

يـتـفطـنـــوا لمـدجـل يـتــشـيــخ

أفــلا يـخـاف الله في أوطـــانـه

إن فـاتـه أن الــزمـان يــــؤرخ

لاحظ وجود فراويخ حتى في تلك الحقبة : وأفرخ

شهادات متفرقة :

    "وقد أورد إدريس الحرير، أستاذ التاريخ في بحثه عن تاريخ المجاهد الفضيل بوعمر قصة حدثت معه شخصيا؛ في عام 1977م، حيث كان مع مجموعة من المؤرخين قد كلفوا بجمع وحفظ تاريخ الجهاد الليبي الشفوي، فروى له بعض المجاهدين قصة عن الشخص الذى قطع رأس الشهيد الفضيل بوعمر، وقام بتسليمها للقيادة الايطالية من أجل حفنة من المال. وبحسب الرواية - "....وتشاء الأقدار ان يذهب بعض من رفقاء المجاهدين في زيارة إلى موقع هذه المعركة وكان يرافقهم في هذه الرحلة قاطع رأس المجاهد الفضيل بوعمر الذى للأسف أصبح أحد كبار المسؤولين بحكومة برقة آنذاك، (لاحظ أن تولي هؤلاء لأعلى المواقع قبل سنة 1951 م وبعدها يصدق ما جاء في قصائد الشعراء)، وعندما وصلوا هناك عرفه حارس المقبرة فلما سألوا عن قبر الشهيد الفضيل بوعمر قال لهم : إن جسده مدفون هنا أما رأسه فاسألوا عنه رفيقكم هذا فهو الذى قطعه وسلمه للطليان، وعندما حاول أحدهم ان يثنيه عن قوله بالتهديد بالفصل من العمل فكان رده صاعقا كما هي شهادته وشجاعته - وماذا أقل من غفير جبانة ..... إذ كان ذلك المجاهد الصنديد يعمل كحارس (غفير) لمقبرة""(8/ ص 136).

    ومن المتداول والمتواتر أن الملك إدريس حينما عرج على القبة في طريقه إلى طبرق ومنها إلى اليونان في رحلته الأخيرة حيث المغادرة النهائية بتاريخ 11/6/1969، كان في استقباله في القبة بعض المجاهدين والأعيان، فقد سلم عليه المجاهد صالح امطير قائلا :

بحقوقه عليك اكبار العقل غير لا عاتب ولا

   وسلم عليه الشيخ جاد المولى محمد امطاوع قائلا :

مرحبا يا برعصي .. راه فيه ناس شرقي راس التراب.

   وفي إحدى المرات التي اعتاد فيها الملك التعريج على مطعم أم اقديح شرقي القبة سلمت عليه صاحبة المطعم المرحومة أم السعد قائلة :

غلاك زرع سقيناه جنوه ناس ما نالوا تعب

  لاحظ تناص هذه القذارة مع رأس البيت للمرحوم بالقاسم حفتر :

الغرسة اللي ساقيينها بـــــدمــــانا

وين اثمرت ما شي منها جـــــــانا

       ويدعم الإشارة إلى خلل ما قبل 1951م مقولة شهيرة لأحد أعيان قبيلة منصور اعبيدات؛ إنه المرحوم المستشار السنوسي بو أم العز؛  حيث احتج على الإدارة البريطانية قائلا :انتو مانكم حكومة ونحنا مانا عرب(9/ مقال).

    مانا عرب : أي أننا بلا كرامة.

     وبعد استعراض هذه الشهادات يتبين لنا أن بيتي الشاعر المرحوم جعفر الحبوني اللذين صدرنا بهما هذه المقالة ليس بهما أية مبالغة وأن هذا الشاعر كان صادقا وصريحا كعادته دائما.

    ربما وظف هذا النقد لعهد المملكة والإمارة، لصالح إدريس السنوسي بالقول : هذا يدل على وجود مساحة كبيرة من حرية التعبير.

     حرية التعبير التي لا تؤدي للتغيير إلى الأفضل مجرد حيلة من الأنظمة على الشعوب، حرية التعبير لا تمس الملك وهو رأس السلطة والراعي، والملك يسمع ويقرأ ولكنه لا يهتم لأن النقد العلني لا يمتد إليه، كيف لا وهو المصون؛ فرغم الصلاحيات الواسعة التي تمتع بها بالدستور(10/ مقال)؛ فإن المادة 59 تقول : "الملك مصون وغير مسؤول"، فقد حصن الملك بهذه المادة وحصن حتى ضد توجيه اللوم له علانية حسبما جاء في قانون العقوبات :

نص المادة 193 من قانون العقوبات في عهد المملكة :

توجيه اللوم علانية للملك

    كل من وجه اللوم إلى الملك علانية على عمل من أعمال حكومته أو ألقى عليه مسؤولية ذلك العمل يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز السنة وبغرامة تتراوح ما بين عشرين جنيهاً ومائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين(11/ بحث).

    ينطبق على حالة انتقاد الكل عدا الملك وهو المسؤول الأول، المثل الشعبي : انت يا الجمل عدي وانتي يا العنز والله انعطابها على خشمك.

   لاحظ : انريدو الحق يا ليبيا ... يا ليبيا انصفينا .. الخطاب موجه لشبح أو لماهية لا يمكنها المثول أمام القضاء إلا إذا مثلها الملك إدريس قانونيا، ولكن الملك مصون، ولا يوجه له حتى اللوم، إذن فهذا النقد مجرد تنفيس يوثق للمظالم ولا يعالجها.

    وإذا كانت شهادة هؤلاء الشعراء بهذه الحسرة والشعور بالخذلان وهم لا يعلمون شيئا عن (دستور 1951)، فكيف لو علموا بما حواه من أمور تؤكد على غياب العدالة والإنصاف؟ حتى بمقاييس قانون العدالة الانتقالية؟ إذ يبدو أن الـ(حتحات) كان واسعا لدرجة يتسع معها حتى للطليان أيضا!!، كيف لو علموا بالمواد 8 ، 9 ، 21 حيث تحصل بها الطليان ضمنيا على الجنسية الليبية وحرية التبشير بالمسيحية؟، كيف لو علموا بوجود الطليان بالعاصمة حيث القرب من المال والنفوذ وهم موجودون ببرقة المهمشة؟، بل أن المتنفذين في عهد المملكة كادوا أن يعيدوا الطليان إلى برقة لولا العداوات البينية داخل الأسرة السنوسية، (انظر شهادة مصطفى بن حليم والتعليق عليها بهذه المقالة).

المحاكمة أخلاقية براغماتية

    في تونس بو رقيبة وفي ليبيا إدريس السنوسي تم ترخيص دور الدعارة وصناعة الخمور وبيعها؛ بمنظور ديني : (حلال ، حرام)، كلا الرجلين وقع في ارتكاب المحرمات؛ ولكن لا يمكن إدانة الحبيب بو رقيبة من حيث اتهامه بالخداع برفع الشعار الديني ثم التخلي عنه، فقد كان الرجل من قبل وصوله للسلطة صادقا وصريحا، وقد قبل التوانسة فيما يبدو بنهجه العلماني الواضح، أما إدريس السنوسي فهو سليل حركة شعارها المعلن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاربة الفاحشة بكل الوسائل، وعلى هذا الشعار قاتل الناس معها ودفعوا باهض الأثمان وأوصلوها للسلطة.

     لقد خانت السنوسية وعودها الانتخابية، والخيانة مرة وموجعة، الخيانة تتربع على قمة هرم الخسة إن كان للخسة قمة، إن خيانة الوعود الانتخابية عند الشعوب الواعية تؤدي إلى إسقاط المرشح الفائز أو على الأقل إلى عدم إعادة انتخابه، ولا يكون ذلك بدوافع أخلاقية بحتة بل أخلاقية براغماتية : (نافع ، ضار)، فكيف لو أن هذا المرشح قد وصل للسلطة ليس بالتصويت بل بالدماء والمعاناة والتعاسة؟

    الذي يخون الشعار الديني ويتخلى عنه أشد خطورة ممن لا يرفع الشعار الديني أصلا، الأول يتجرأ على خيانة معبوده؛ ومن يخن معبوده الذي يعتقد به من السهل عليه أن يخون البشر؛ والمثل : (اللي ما يخاف من الله خاف منه) يعبر عن هذا المعنى أفضل تعبير.

    أضف إلى ذلك إن الخيانة لم تقتصر على التخلي عن الشعار الديني الصريح، بل امتدت إلى الشعار الوطني الممزوج بالديني، فالطليان أعداء الوطن والدين، المجرمون الجديرون بحربهم، كما كانت تقول السنوسية صاروا مواطنين ليبيين بفعل الدستور، ومن ذوي النفوذ الاقتصادي الواسع، (وشكلوا حزبين أحدهما فاشي مدعوم من روما)(12/ ص 227)؛ وهم قنبلة موقوتة كجالية قد تنفجر حينما يختل الأمن كما اختل عام 2011م وما بعده حيث انفجرت قنابل موقوتة كثيرة.

..............................................................................

 (1) مذكرات رئيس وزراء ليبيا الأسبق : مصطفى بن حليم، صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي، ط1، بريطانيا العظمى، 1992.

(2) د. علي أحمد عتيقة ، بين الإرادة والأمل ــ ذكريات وتجارب حياتي ، ط1 ، 2013 ، دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع.

(3) قصيدة المرحوم بالقاسم حفتر على الرابط :

https://www.facebook.com/groups/396191326024322/posts/407229121587209/

(4) صحيفة الشلال / درنة ، العدد 328 بتاريخ 24/1/1424؛ وهناك خطأ في التاريخ فيما يخص السنة، والصحيح : 1425 م = 1996 ف، كما كان يؤرخ في تلك الحقبة.

(5) جعفر الحبوني ، نور العدالة ، ط1، 1974، بدون تحديد جهة النشر.

(6) ديوان حسين محمد الحلافي، تحقيق وشرح : يونس عمر فنوش، والهمالي شعيب الحضيري، منشورات مجلس تنمية الإبداع ــ الجماهيرية، ط1، 2004.

(7) ديوان أحمد رفيق المهدوي، الفترتان الأولى والثانية (من 1919 ــ 1925 م)، المطبعة الأهلية ــ بنغازي، ط1، د.ت.

(8) مجلة البحوث التاريخية المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية السنة السابعة والثلاثون العدد الأول يناير 2015، بي دي إف. 

https://jhr.net.ly/wp-content/uploads/2023/03/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9-37-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D8%AF-1-%D9%8A%D9%86%D8%A7%D9%8A%D8%B1-2015.pdf

الدور الجهادي للشهيد المجاهد الفضيل بوعمر 1880م-1930م فتحية محمد بوجازية

عن

إدريس الحرير، المجاهد الفضيل بوعمر، مجلة البحوث التاريخية ، منشورات مركز جهاد الليبيين، طرابلس، العدد1 ،1991م، ص 13 .

(9) مقولة السنوسي بو أم العز ضد الإدارة الإنجليزية على الرابط : 

https://www.facebook.com/AltarykhAlsyasyLqbyltAlbydat/posts/pfbid02f4NZeSguThHyHuXDs1joxx4tjgehyxwWnjVDzMikgrx92n3j1MwgQrGVwcTfz1FGl

(10) المقال : يسألونك عن الدستور والعودة إليه قل فيهما ...... 

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2017/07/blog-post.html

(11) بحث حول تجريم المساس بالملك وبالقذافي وتجريم تمجيد الطاغية

https://www.eastlaws.com/legislation-full-text/ar/libya/law/20-02-1954?type=1&id=143253

(12) د. الحسيني الحُسيني معدي، الملك محمد إدريس السنوسي : حياته وعصره، ط1، 1433 هـ ــ 2012 م، منشورات كنوز للنشر والتوزيع ــ مصر.

السبت، 10 سبتمبر 2022

ألغاز السنوسية (2) لغز المهدي السنوسي المنتظر

 

يفضل التصفح من خلال الفهرس الأول : مقالات

رابط الفهرس :

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2024/07/blog-post.html


ألغاز السنوسية

(2)

لغز المهدي السنوسي المنتظر؟

السنوسية وتكتيك تعدد الخطاب

     تعتمد السنوسية على ما يمكن تسميته بتكتيك تعدد الخطاب : فهي صوفية وليست بصوفية وهي سنية وتشترك مع الشيعة والصوفية (كلتاهما أو إحداهما) في تقديس آل البيت وتقديس الأضرحة والمقامات وحب السواد.

    من هذه المشتركات مع الشيعة أيضا الإيمان ومن ثم الترويج للمهدي المنتظر لا كما يؤمن به أهل السنة مهدي جديد لم يسبق له الظهور والاحتجاب، بل كما يؤمن به الشيعة مهدي محدد الجينات قد ظهر من قبل : (محمد الحسن العسكري بالنسبة للشيعة)(*) الذي ولد وظهر للخاصة والمقربين ثم احتجب وغاب الغيبة الصغرى ثم الغيبة الكبرى، كما يقولون انتظارا للحظة ما ليخف لنجدة شيعته وأحبائه والقضاء على السفياني المنحدر من هند بنت أبي عتبة آكلة الأكباد وزوجها أبي سفيان؛ هذا عن مهدي الشيعة المنتظر وهو محمد الحسن العسكري، فمن هو مهدي السنوسية الذي ينتظر ظهوره؟ إنه محمد المهدي بن محمد بن علي السنوسي (1844 ــ 1902).

     وعلى ذكر تكتيك تعدد الخطاب فلعله من المفيد وللتوضيح سرد أطرف استخدام له وكان ذلك في القرن الماضي على يد طبيب نسائي قبل التوصل إلى وسائل معرفة جنس الجنين، كان يقول لزبونته أن جنس الجنين ذكر مثلا ويسجل في ملفها الذي يحتفظ به أن الجنين أنثى، وعند الوضع إذا كان المولود ذكرا ازدادت شهرته وصدق الناس مقدرته على معرفة جنس الجنين وإذا كان العكس وأغضب ذلك الزبونة وشككت في مقدرته دعاها لتراجع معه ما سجل بالملف الخاص بها، فتجد أن جنس الجنين أنثى، ويتهم الزبونة في سمعها وانتباهها، وهكذا يحقق ما يصبو إليه إن أصاب أو أخطأ، لكن المأزق حينما يكون المولود خنثى، أي حينما يجتمع النقيضان، أي لحظة اكتشاف تناقض الخطاب أو خنوثته، والمأزق أيضا حينما تضع زبونته توأما.

إنكار انشغال السنوسية بالمهدوية والرد عليه

    نشرت الصيغة الأولى من هذا المقال على صفحتي بالفيس بتاريخ 10/9/2022، وقد أنكر بعض القراء وجود اعتقاد مسبق لدى السنوسيين واتباعهم بمهدية محمد المهدي السنوسي، وظن أن إنكار موته ردة فعل مثلما رد فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أخبر بموت الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فهي ردة فعل مؤقتة مرتبطة بحادثة الوفاة ولا مقدمات أو إرهاصات تمهد لها.

     وبعد نشر المقال بفترة تيسر لي الاطلاع على مراجع سنوسية على درجة كبيرة من الأهمية تؤكد على ما ذهبت إليه في الصيغة الأولى من هذا المقال، فرأيت إعادة صياغة هذا المقال بالاستفادة بما جد لدي من معلومات، بما يؤكد انشغال السنوسية بهذا الموضوع أو القضية، وإعادة نشره لإلقاء مزيد من الضوء على السنوسية، وما كانت تروجه، وتأثير ذلك على خلق نمط معين من التفكير لدى الناس مازال ممتدا حتى يومنا هذا.

أدلة تؤكد انشغال السنوسية بالمهدوية

    من المراجع التي استفدت منها تحت هذا العنوان (الدر الفريد الوهاج بالرحلة المنيرة من الجغبوب إلى التاج) للسيد أحمد الشريف السنوسي، مخطوط، حققه أ.د. عبد المولى الحرير، ثم حققه د. أحمد محمد جاد الله ود. عبد الغني عبد الله محمود؛ وثمة بعض الاختلافات بين التحقيقين تجعل من النص المحقق مرجعين لا مرجعا واحدا.    

    في (الدر الفريد الوهاج) تحقيق عبد المولى الحرير استغرق أحمد الشريف (23) صفحة وذلك في سرد مرويات من كتب الحديث ومما رآه من يسمون بـ (أهل الكشف) في مناماتهم أو حتى في يقظتهم من مشاهدات كما يزعمون تتحدث عن المهدي في بعضها بصمات شيعية وربما بهائية؛ (2 ، ص من 194 إلى 216).

    من الجدير بالذكر أن المحققين جاد الله وعبد الغني تجاهلا هذا الجزء على أهميته، وتوقفا قبله بالرغم بأنهما قد اطلعا على عدد من نسخ المخطوط أكثر من عدد النسخ التي اطلع عليها الحرير كما يقولان (3 ، ص 21 ، 142).

مما رواه أحمد الشريف حسب عبد المولى الحرير :

     «وأخرج الحافظ أبو نعيم عن ثوبان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا رأيتم الرايات السود قد أقبلت من خرسان فأتوها ولو حبوا على الثلج فإن فيها خليفة الله المهدي»(2 ، ص 213 ، 214).

    ولا تخفى البصمة الشيعية أو الفارسية في هذا الحديث.

     «وقد نظم سيدي محي الدين بن العربي أربعة أبيات على ولادته فقال آخر ملوك آل عثمان الملك المؤيد سلطاننا عبد الحميد بأمر الله ينزل العين ويظهر الميم من الميم في عصر العين والباء والميم إذا أراد حكم الزمان يطيب لنجله على عدد حروف بسم الله الرحمن الرحيم عدد حروف البسملة تسعة عشر فيحصل جملة العدد سنة خمس وخمسين ومائتين وألف وتأخرتا عن هذا العدد ولادة سيدنا أو أستاذنا السيد محمد المهدي بخمس سنين وذلك عام توجه الأستاذ رضي الله عنه من المشرق إلى المغرب الذي خطب فيه والدته رضي الله عنها وهذا الحساب قريب جدا لولادته رضي الله عنه وسيدنا المهدي هذا هو الذي رجاء الإسلام في الإسلام وفيه»(2 ، ص 202).

     يلاحظ الاعتماد على الطلاسم وما يسمى بالجفر وحساب الجمل على عادة المشعوذين؛ ومن المعروف أن العدد (19) له قدسية عظيمة عند البهائيين وربما تسربت هذه القدسية من عقائد فارسية قديمة، حيث أن مؤسسي البهائية هم من الفرس.

    من هذه الطلاسم القول بأن علامة مولد محمد بن علي السنوسي (غرب) وحساب الجمل لهذه الكلمة يساوي 1202، وتوظيف هذا الرقم في توقع التاريخ الذي يظهر به المهدي أو يولد به ليكون على مقاس محمد المهدي السنوسي (2 ، ص 201).

    وكدليل على حقيقة انشغال السنوسية بمهدوية محمد المهدي فهذه مجموعة اقتباسات من الدر الفريد بالتحقيقين :

    يصل الأمر بالسيد أحمد الشريف إلى التصريح بمهدية محمد المهدي السنوسي، على لسان أحد الإخوان، وهو محمد عبد الله السني :

    «وحكى سيدي محمد السني عن الشيخ محمد البغدادي الواسطي الشريف(**) في شوال سنة 1312 هـ ألف وثلاثمائة واثنا عشر بمدينة طرابلس أنه رأى في المنام شخصا مديد القامة من أكابر الصالحين أهل الكشف والناس محدقون به يسألونه عن أشياء وهو يخبرهم قال فجئت لأسمع وانظر قال فسأله شخص : هل السنوسية على الحق؟ فقال بكلام قوي أي على الحق فقال : ويقال المهدي منهم؟ فقال له : منهم فقال : هل خرج؟ فقال : نعم خرج فقال له : وأذن له أهل الله؟ فقال : أذنوا له فقال : وأنت أذنت له؟ فقال : نعم أذنت له؛ إلى هنا تمام ما حكاه لنا غفر الله له»(2 ، ص 95) ، (3 ، ص 252 ، 253).

     أول ما يلاحظ أن هذه الواقعة يرويها أحمد الشريف ولا يمكن له أن يروي ما يغضب عمه محمد المهدي، حيث يزعم يوسف الحبوش بأن محمد المهدي يغضب من القول بأنه المهدي المنتظر، في اقتباسات لاحقة تحت العنوان التالي.

    ومعلوم أن الرؤيا (المنام) من مصادر المعرفة عند الصوفية والسنوسية منهم؛ بل إنهم ليدعون أنهم يرون النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة (4 ، ص 30 ، 32)، ويروون عنه روايات يزعمون بأنهم تلقوها عنه في اليقظة (1 ، ص 37)، كما أنهم يروون عن الخضر عليه السلام أيضا (1 ، ص 71).

      وهناك إشارات يرويها أحمد الشريف عن محمد بن علي السنوسي على علاقة بمحمد المهدي :

     «وكتب لسيدي عمران بتسميته السيد محمد المهدي، وبعد مدة أرسل الأستاذ رضي الله عنه بالقدوم بها الى درنة وتسليم السيد محمد المهدي رضي الله عنه للمرضعة، وهي خضرة زوجة الحاج حسين الشريف، وكان ازدياده رضي الله عنه في ذي القعدة الحرام سنة ستين بعد المائتين والألف في الجبل الأخضر بمحل يقال له ماسة وقبل ولادته ظهر في السماء بياض على هيئة السيف عند غروب الشمس واستمر ذلك بعد الازدياد بمدة طويلة وتلك إشارة إلاهية بأنه رضي الله عنه هو صاحب السيف»(2 ، ص 136) ، (3 ، ص 339).

وللتأكيد على انشغال السنوسية بمهدوية محمد المهدي السنوسي ما جاء في (الدر الفريد) بالتحقيقين :

     «فلما وصلا الحلولي أتاهما رجل أعمى وجلس بينهما ووضع كل يد على واحد، قال : أهلا وسهلا بجماعة الشيخ السنوسي، وقال : هذا من المغرب وهذا من المشرق،  وكان هناك أناس يتكلمون على الإمام، فمنهم من يقول : الإمام يخرج آخر الزمان، ومنهم من يقول : ولا مهدي إلا عيسى، فأجابهم الأعمى بقوله : والله أن المهدي موجود الآن، حفظ القرآن وحط اللوح في هذه السنة. قال هذا الكلام وقام ومشى. فلما أتوا الجغبوب سألهم الأستاذ عن القصة فوجدهم قد نسوها حتى وضحها لهم، فتفكروها فقالوا : نعم يا سيدي، صحيح، قال لهم : اخبروا بذلك أخانا عبد العالي فأخبروه بحضرة الأستاذ رضي الله عنه. وسألت جدتنا الأستاذ رضي الله عنه قالت : لأي شيء سميته المهدي قال : نرجو الله أن يكون هو الإمام المنتظر»(2 ، ص 155 ، 156) ، (3 ، ص 368 ، 369).

     «وحكى سيدي محمد عبد الله السماح المجاهد قال : لما كنت بالمدينة ذات يوم عند الواجهة الشريفة سمعت خطابا من الروضة الشريفة منه صلى الله عليه وسلم وهو يقول : يا ابن عبد الله، امش للمهدي، يا ابن عبد الله، المجاور للجغبوب كالمجاور في المدينة، يا ابن عبد الله، المجاور للمهدي كالمجاور في المدينة، يا ابن عبد الله المهدي أزيد من ابن السنوسي بسبعين درجة»(2 ، ص 161 ، 162) ، (3 ، ص 377).

      ومن الجزء الذي انفرد به الحرير وتجاهله جاد الله وعبد الغني :

     «وسئل الأستاذ الجد رضي الله عنه عن تسميته المهدي، قال : رجوت أن يكون هو المهدي المنتظر؛ وكان رضي الله عنه جالسا ذات يوم مع عثمان المرغني فحلف [أي المرغني] له بالطلاق بأن السيد أحمد بن إدريس هو الإمام؛ فنها الأستاذ الجد عن الخوض في ذلك، فتغير المرغني لهذا النهي؛ فقال رضي الله عنه : الآن يمشي إلى سيدنا أحمد ويكدر خاطره علي، فأسرع بالمشي إلى سيدي أحمد قبل أن يسبقنا المرغني، فنحكي له ما جرى؛ فقال سيدي أحمد رضي الله عنه الإمام اسمه محمد وأنا اسمي الإمام أحمد والإمام المهدي صغير السن وأنا اليوم جاوزت التسعين ولكن هو من جماعتنا، فقال له الأستاذ الجد : الاخوان يقولون : يرجع شابا بعد أن كان شيخا ويرجع شابا بعد أن كان صبيا فقال سيدي أحمد لا يرجع أبدا لا من الصبا ولا من الشيخوخة»(2 ، ص 195 ، 196).

    «وروي عن سيدي محمد الشمو أيضا انه قال سيدي أحمد بن إدريس : لو يعلم الناس السر الذي في أخينا محمد بن السنوسي لتضاربوا عند بابه بالسيوف من أجل المزاحمة في الدخول، ثم قال : السر الذي يعنيه سيدي أحمد هو السيد محمد المهدي؛ وقال الأستاذ رضي الله عنه : طلع الصباح وانطفأ المصباح»(2 ، ص 196).

«وحكي عن الشيخ علي الليثي أنه كان لبعض الأيام عند سيدنا رضي الله عنه هو والشيخ علي بن عبد الحق، فقال، يعني الشيخ علي بن عبد الحق للأستاذ : أرى وجهك متغيرا الفلك ما نخسر شيء، فقال رضي الله عنه : عرض علي النبي صلى الله عليه وسلم البارحة المهدوية، فقلت له : يا رسول الله لا أقدر عليها، بطني كبيرة وكبير السن، وتشفعت بسيدتنا فاطمة رضي الله عنها، فقال له [لي] صلى الله عليه وسلم : تكون في نجلك محمد»(2 ، ص 199 ، 200).

ما بين [ ] ليس بالأصل وهو الأنسب بدلا من (له).

المهدي السنوسي المنتظر بحسب ما روجته السنوسية

    من يوسف عبد الهادي الحبوش (عمر المختار : الحقيقة المغيبة) نقلا عن برقة المهدأة ص 274،  294  جاء في كلام غراتسياني بعد احتلال الكفرة واصفا حال المجاهدين في الجبل بعد علمهم باحتلال الكفرة التي يصفها غراتساني ساخرا بالواحة المقدسة :

    «ظلوا متحجرين طبقا لأسطورة قديمة، وأن المهدي السنوسي المدفون في زاوية التاج سرعان ما سوف يبعث ليزحف من الصحراء ويخف لنجدة المقاتلين بالجبل بجيش عرمرم»(7 ، ص 431 ، 432)، ويضيف الأستاذ يوسف معلقا في الهامش على كلام غراتسياني قائلا :

    «يغمز غراتسياني هنا إلى الاعتقاد الجازم لدى عمر المختار وكثير من أهالي برقة السنوسيين بفكرة عدم موت شيخهم المهدي السنوسي بعد،  واعتقادهم بمهديته،  وبمقولة مشهورة وردت عن الإمام محمد بن علي السنوسي تتلخص في أن أهل الجبل الأخضر الليبي سيكونون من أقوى أنصار هذا المهدي،  الذي سيعود للظهور للعيان من جديد،  حسب الرواية،  بعد غيبة تعادل تقريبا ضعف عمره الذي عاشه قبل أن يحتجب،  وسيكون هذا الظهور عقب مرور شهرين على احتلال أوروبي (فرنسي إنجليزي) جديد،  يأتي بعد الاحتلال النابلتاني،  وسيقتسم على أثره الفرنسيون والإنجليز ليبيا وشمال أفريقيا،  ويكون فيه الحد الفاصل بينهما (مقطع الكبريت) بالعقيلة،  وعلامات أخرى عديدة يذكرونها تدل على اقتراب موعد ظهوره.

     ولكن من الجدير بالذكر أن السيد المهدي السنوسي لم يدع (المهدية) في حياته على الإطلاق، كما انه لم يسمح لأحد من اتباعه بأن يشيعها أو أن يدعيها له بحضوره، وأنه كان يغضب بشدة إذا تناهى إلى سمعه مثل هذا القول،  إلا أن كثيرا من السنوسيين على الرغم من ذلك يقولون بمهديته،  وعلى رأسهم والده الإمام المؤسس السنوسي الكبير، وحفيده السيد أحمد الشريف.

    ومما يجدر ذكره ــ أيضا ــ أن السنوسيين لا يلزمون اتباعهم ومنتسبيهم بتصديق فكرة مهدية المهدي السنوسي أو اعتقادها ولا بالقول بها،  وهم لا يؤسسون طريقتهم الإصلاحية على هذا القول،  ولا يعدونه عقيدة فيها،  كما يفعل الشيعة مثلا،  ويحسمون الجدل حين يثار هذا الموضوع بأن قبره هو الموجود بالكفرة . وباختصار فأن الأمر عندهم لا يعدو كونه مسألة ميتافيزيقية غيبية تندرج ضمن خوارق ستكون بين يدي الساعة معني بها من يعايشها،  شأنها في ذلك شأن غيبة المسيح ابن مريم وعودته،  وغيرها من العلامات التي يصدقها ويقول بها معظم المسلمين»(7 ، ص 431 ، 432).

أولا : نقد ما جاء في هذا الاقتباس :

1 ــ القول بأن المهدي لم يسمح لأحد من اتباعه بأن يشيع مهدويته أو أن يدعيها له بحضوره ليس دقيقا كما مر بنا في اقتباس من (الدر الفريد الوهاج) بالتحقيقين تحت العنوان السابق(2 ، ص 87 ، 95) ، (3 ، ص 242 ، 253) وهل يعقل أن يدون أحمد الشريف ما يغضب عمه الذي يجله حد التقديس؟

2 ــ القول بأن قبره هو الموجود بالكفرة؛ إذا قصد السنوسيون به تأكيد الموت واستحالة عودة المهدي إلى الحياة فهذا لعب بعقول الناس حينما يروجون بالموازاة معه القول بحتمية عودة المهدي، هل هو تكتيك تعدد الخطاب : أن تقول الشيء وتقول عكسه؟ هنا تختلف السنوسية عن الشيعة؛ حيث أن مهدي الشيعة المنتظر لم يوجد له قبر ولم يقل أحد من الشيعة بموته، بل باحتجابه فحسب.

3 ــ يعترف يوسف الحبوش بأن السنوسيين يرون في المهدي السنوسي مهديا منتظرا ويرون مجيئه علامة من علامات الساعة مثله في ذلك مثل ظهور المسيح.

ثانيا : وفقا لنبوءة محمد بن علي السنوسي بعودة المهدي فإن لها علامات منها :

1 ــ تكون بعد غيبة تعادل تقريبا ضعف عمره، وبما أنه كان يبلغ من العمر الـ (58) عاما حين وفاته عام 1902 فإن عودته متوقعة عام 2018 تقريبا.

2 ــ تكون عقب مرور شهرين على احتلال أوروبي (فرنسي إنجليزي) جديد،  سيقتسم على أثره الفرنسيون والإنجليز ليبيا وشمال أفريقيا،  ويكون فيه الحد الفاصل بينهما (مقطع الكبريت) بالعقيلة.

3 ــ ويكون ذلك بعد احتلال نابلتاني أي إيطالي، فهل من هذه العلامات ما ينطبق على هذه اللحظة؟

المهدي السنوسي المنتظر في المخيال الشعبي

   من الكتاب : (الملك إدريس عاهل ليبيا حياته وعصره)، ومعظم ما جاء في هذا الكتاب مروي عن الملك إدريس وولي عهده الأول محمد الرضا.

    يروي الملك إدريس لكاندول رحلته حينما كان صبيا مع والده المهدي من الكفرة إلى قورو في تشاد : «وكانت قورو بقعة منعزلة في واد ينحدر من جبل ايمي كوسى الضخم . وسكانها سمر البشرة يعرفون بالتبو، وقد رحبوا بمجيئنا»، ولكن «السنوسيين لم يستطيعوا التعود على طبيعة تلك الأرض الجبلية الوعرة وجوها المتقلب الكثير العواصف والغيوم المفاجئة، وهو شديد الاختلاف عن جو الصحراء الجاف. ثم أصيب والدي بحمى مفاجئة لم تمهله طويلا فتوفي في أوائل صيف عام 1320 هـ (الموافق أول يونيه 1902م). وكانت وفاته صدمة كبيرة لنا، وبعدها قرر كبار الجماعة أن نحمل جثمانه ونعود به إلى الكفرة. وهكذا كان»(5 ، ص 12).

    ويضيف دي كاندول قائلا :

    «وكانت وفاة السيد المهدي المبكرة صدمة عنيفة لأتباعه ومصابا فادحاً ألم بالحركة السنوسية عموماً. وسرعان ما ذاع الخبر المفاجئ في أرجاء البلاد عبر الصحارى، فكان له وقع الصاعقة على كثير من الناس حتى أنهم رفضوا التصديق بأنه مات حقا»(5 ، ص 12).

    ويضيف الناشر أو المترجم في هامش ص 12 تعليقا على كلام دي كاندول وتأكيدا عليه : رفض أحد الشعراء خبر الوفاة في قصيدة شعبية مطلعها :

سيدي مول السر مصفّى   **   غير تخفّى  **  يكذب هللي قال توفّى(5 ، ص 12).

     إلى هنا ينتهي الاقتباس من كتاب دي كاندول، أما (السر) في البيت فالمقصود به الأصل،  النسب.

    واستجابة من المخيال الشعبي المصدق للنبوءات الخاصة بالمهدي فقد تكرر القول بظهوره بعد وفاته، فقد ادعى أحد الدراويش أنه التقى منذ قليل بالمهدي، فسأله الناس عن الاتجاه الذي انطلق نحوه، فأشار الدرويش إلى إحدى الجهات، بحث الناس عن المهدي في ذلك الاتجاه وحينما يئسوا عادوا إلى الدرويش وسألوه : ماذا قال لك؟، قال الدرويش : لقد قال:

لمقاط بادن ولحبال تقوّن  ** ولذياب تابن والبراشن عوّن.

     لمقاط (الأمقاط) = جمع مقط وهو الحبل الغليظ، على الأرجح ، البراشن = الخراف الصغيرة.

    في حادثة أخرى زعم أحد الرعاة بأنه بينما كان عائدا بقطيعه بعد غروب الشمس رأى سيده المهدي بطرف القطيع، انتشر الخبر فأعلن عن إقامة الولائم في الزوايا فرحة بهذا الظهور، وكانت الوليمة (الغداء) بزاوية عين مارة كسكسو، وفي خضم الفرحة ارتفع منسوب الأدرينالين وهوس الاستعراض في الميز وتجرأ أحد الفرسان على مضايقة إحدى النساء وكاد أن يصدم بجواده الطنجرة الفخارية (البرمة) التي كانت تطهو بها الكسكسو، فهب رجل من شيعتها لنجدتها ونهر الفارس وتطور الأمر إلى اشتباك عنيف استمر إلى وقت الغروب بين جماعتين من الجمهور المحتفل وسمي ذلك بـ (حس الكسكسو) والحس تعني المعركة، أما الكسكسو فقد شغل عنه الناس بحسه!!.

    ومن علامات تصديق الأساطير ما رواه الأستاذ سالم الكبتي عرضا : يقول سالم الكبتي متحدثا عن اجتماع الجمعية الوطنية لإقرار الدستور في 7/10/1951 : «وتزامن ذلك مع إحضار جثمان السيد المهدي السنوسي والد الملك إدريس لدفنه في بنغازي، وظل مدة شهرين في جامع قمينس ثم أعيد إلى الكفرة، مثواه السابق، وارتبط بهبوب رياح قوية مع غبار وأتربة وتعارف عليه شعبيا بـ(عجاج سيدي المهدي)»(6 ، ص 45).

    هذه الحادثة التي يرويها سالم الكبتي لغز آخر من ألغاز السنوسية، فلماذا جلب الجثمان؟ ولماذا بقي هذه المدة بالجامع؟ ولماذا أعيد؟ وهل فسر العجاج بغضب المهدي من جلب جثمانه؟ أم من إعادته؟ وما ذنب أهل برقة المساكين حتى تعاقبهم السنوسية بعجاجها؟!!.

    وقد تعرض قبر المهدي السنوسي بزاوية التاج لعدة محاولات نبش في الأعوام : 2009،  2012،  2014 ويبدو بأنها لم تنجح في تحقيق مرادها، ولكن «فجر يوم السبت 30/12/2017 تم إخراج الرفاة ونقلها إلى إحدى المقابر، وقد صرح الشباب الذين قاموا بذلك قائلين : تم إخراج الجثمان من مكانه ودفنه بالصورة الصحيحة وذلك بسبب كثرة زيارة الناس للقبر والتقرب منه للشفاء أو لقصد حاجة هذا الأمر دعا لنقل الجثمان حتى لا يقع الناس في الفتن بالتقرب للموتى»(8 ، ص ....) ، (9 ، ص ....).

أين يكمن اللغز؟ ومتى يكون التساؤل فرض عين؟

    ((السنوسية حركة أسسها محمد بن علي السنوسي في برقة التي وجدها غارقة في ظلام الجهل، وهدفها تصحيح فهم الإسلام والنهوض بالأمة ومحاربة التخلف والخرافة))، هذه الديباجة المعروفة عن السنوسية فهل ما جاء عن المهدي السنوسي المنتظر يتسق وينسجم مع هذه الديباجة؟ وهل انتقلت برقة بهذا من ظلام الجهل إلى نور العلم والمعرفة والعقيدة الصحيحة حقا؟.

..............................................................

(*) ثمة فرق تقول بمهدية آخرين وتنتظرهم ولكن الأشهر هو القول بمهدية محمد الحسن العسكري وانتظار ظهوره عند الكثير من الشيعة.

(**) ما نقلناه عن الدر الفريد مما رواه محمد عبد الله السني، كان النص الوارد في التحقيقين، وتم التجاوز عما ورد في الكتاب من تحقيق جاد الله وعبد الغني من زيادة بها ذكر حديث الرؤيا الصالحة وأنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة.

     وتعليقا على ذلك : أن الحديث يتناول الرؤيا الصالحة يراها الصالح، ولكن ما المعايير التي تجعلنا نطمئن ونصدق (بعد الأنبياء) كل من يدعي الصلاح لرؤياه ولنفسه؟ هل يكفي حكم الناس؟ وهم كثيرا ما كشفوا عن تسرعهم وسهولة انخداعهم؟ تاريخ النصابين والمحتالين يشهد على ذلك؛ الحكم على ما يقوله الأشخاص من حيث الصدق والادعاء الكاذب بهذا الخصوص يظل حكما انطباعيا يفتقر للمعايير العلمية الدقيقة.

     للتهميش، اخترت طريقة سهلة وتقلل من حجم النص كما أراها، كما أنها مرنة لا تتأثر بتقديم عنوان وتأخير آخر؛ وقد وجدت مثالا عليها في كتاب نيكولاي بروشين : (تاريخ ليبيا من نهاية القرن التاسع عشر حتى عام 1969) ترجمة عماد حاتم منشورات مركز دراسة جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي، ط؟، 1988؛ فقد استخدم على سبيل المثال (20 ، ص 91)، فالرقم الأول (20) يشير إلى رقم المرجع في قائمة المراجع؛ أما بخصوص الروابط فقد أشرت إليها هكذا : (8 ، ص ...) على سبيل المثال.

 

قائمة المراجع :

(1)أحمد بن محمد الشريف بن محمد بن علي السنوسي، مختصر الأنوار القدسية في مقدمة الطريقة السنوسية، تحقيق د. محمد أحمد جاد الله، منشورات جمعية الإمام محمد بن علي السنوسي للثقافة والتراث، ط1 ، 2022.

(2) أحمد محمد الشريف السنوسي، الدر الفريد الوهاج بالرحلة المنيرة من الجغبوب إلى التاج، تحقيق أ.د. عبد المولى الحرير،  دار القمة للطباعة والنشر ، بنغازي – ليبيا، ط؟، 2018.

(3) أحمد محمد الشريف السنوسي، الدر الفريد الوهاج بالرحلة المنيرة من الجغبوب إلى التاج، تحقيق : د. أحمد محمد جاد الله ود. عبد الغني عبد الله محمود، تقديم : د. إدريس فضيل الحداد، منشورات جمعية الإمام محمد بن علي السنوسي للثقافة والتراث، ط1، 2022م.

(4) عبد الوهاب الشعراني، الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية الجزء الأول، حققه وقدم له طه عبد الباقي سرور، السيد محمد عيد الشافعي، منشورات مكتبة المعارف ــ بيروت، ط؟ ، 1408 هـ ــ 1988م.

(5) ايريك آرمار فولي دي كاندول، الملك إدريس عاهل ليبيا حياته وعصره، ترجمة ونشر محمد عبده بن غلبون، ط2، منشستر 1990.

(6) سالم الكبتي : الدستور في ليبيا ــ تاريخ وتطورات ــ منشورات دار الساقية ــ بنغازي، صحيفة الكلمة ــ بنغازي  ط2 2013. 

(7) يوسف عبد الهادي الحبوش، عمر المختار : الحقيقة المغيبة، الطبعة الأولى 1438 هـ ــ 2017م، منشورات مكتبة وهبة ــ القاهرة.

(8) على الرابط :

https://alwasat.ly/news/libya/153901

 (9) على الرابط :

https://akhbarlibya24.net/2017/12/30/%D9%86%D8%A8%D8%B4-%D9%82%D8%A8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%87%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D9%88%D8%B3%D9%8A-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%81%D8%B1%D8%A9

 

..........................................................................................................................

نشرت الصيغة الأولى على المدونة على هذا الرابط بتاريخ 10/9/2022

على الرابط :

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2022/09/2.html

نشر المقال بالنص وليس كرابط على صفحتي على الفيس بوك بتاريخ 10/9/2022

على الرابط :

https://www.facebook.com/abdhaabd/posts/pfbid02Gw3Ak6CRBU6HGFAE8r3edFHfJ8AuCs1ZKwwhUPZ8Cnpu6gDzh8j3zoxUvzf6S4YUl

هذه الصيغة هي الصيغة الثانية المعدلة نشرت مكان الصيغة الأولى على المدونة بتاريخ 2/6/2023

ونشرت الصيغة الثالثة بتاريخ 29/4/2024 على المدونة على نفس الرابط

الجمعة، 9 سبتمبر 2022

ألغاز السنوسية (1) لغز نهاية الحسن صاحب دور الدقيق

 

يفضل التصفح من خلال الفهرس الأول : مقالات

رابط الفهرس :

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2024/07/blog-post.html


ألغاز السنوسية

(1)

لغز نهاية الحسن صاحب دور الدقيق

     في العامين 1928 ، 1929 كثف عمر المختار من مفاوضاته مع الطليان خاصة بعد تسليم الوكيل العام محمد الرضا نفسه ونفيه إلى إيطاليا وخروج جل القادة السنوسيين إن لم يكن كلهم من برقة وتشديد إيطاليا الخناق عليه؛ انتهت المفاوضات عام 1929 باتفاق استلزم حسب الجانب الإيطالي ذهاب عمر المختار إلى بنغازي لتوقيعه فأوفد بدلا منه الحسن الرضا الذي يوصف حينها بالمفتش العام ويوقع بهذه الصفة؛ وفي بنغازي أقنع الشارف الغرياني وغيره الحسن بتعديل الاتفاق ورفض عمر المختار هذا التعديل وترتب على هذا الخلاف انشقاق داخل الأدوار وانضمام جزء من المجاهدين إلى الحسن وتشكيل ما عرف بـ(دور الدقيق)، حيث اهتم الطليان بالحسن ومن معه ومدوهم بالمؤن وأهمها الدقيق، ثم ساورت الطليان المخاوف من عودة الحسن ومن معه إلى عمر المختار، فقامت القوات الإيطالية بمهاجمة الحسن ومن معه بتاريخ 10/1/1930 وقضت على العديد من رفاقه واستسلم هو فنفي إلى إيطاليا حيث بقي بفلورنسا حتى وفاته عام 1936 حسب أقدم المراجع العربية التي اطلعت عليها بالخصوص وهو كتاب (السنوسية دين ودولة). 

     الملخص السابق يحتوي عدة معلومات ما يتعلق منها بلغز الحسن ثلاث :

الأولى : أن لمحمد الرضا ولي العهد الأول ابنا اسمه الحسن تقلد منصب المفتش العام وكان شابا قادرا على تحمل تبعات هذا المنصب عام 1929.

الثانية : أن هذا الشاب قد أدى بسلوكه المتمثل في تعديل الاتفاق (بعكس ما يرغب عمر المختار ومسايرة منه لرغبة الطليان) إلى خلق انشقاق داخل الأدوار وظهر ما عرف بـ(دور الدقيق).

الثالثة (تتعلق بنهاية الحسن الرضا) : أنه قد قبض عليه من السلطات الإيطالية ونفي إلى فلورنسا بإيطاليا حيث توفي هناك عام 1936.

    المراجع التي أتيحت لي فرصة الاطلاع عليها تجمع على المعلومتين الأولى والثانية مع الاختلاف في بعض التفاصيل التي لا تؤثر على السياق العام كثيرا، ولكن هذه المراجع تختلف وتتضارب فيما يخص المعلومة الثالثة المتعلقة بنهاية الحسن إلى درجة كبيرة، وهذه عينة من هذه المراجع :

السنوسية دين ودولة

   بالنسبة للمعلومة المتعلقة بنهاية الحسن فقد جاء في ص 451 : "وفي 10 يناير 1930 قبض الطليان على الحسن نفسه وساقوه أسيرا إلى بنغازي ثم ما لبثوا حتى نفوه إلى جزيرة أوستيكا ثم فلورنسة بعد ذلك، وقد بقي الحسن منفيا بهذه المدينة الأخيرة حتى وفاته عام 1936"(1 ، ص 451).

تاريخ السنوسية في أفريقيا القسم الأول

    بالنسبة للمعلومة المتعلقة بنهاية الحسن فقد جاء في ص 452 : "وفي 10 يناير 1930 قبض الطليان على الحسن نفسه وساقوه أسيرا إلى بنغازي ثم ما لبثوا حتى نفوه إلى جزيرة أوستيكا ثم فلورنسة بعد ذلك، وقد بقي الحسن منفيا بهذه المدينة الأخيرة حتى وفاته عام 1936"(2 ، ص 452)، ومن الاقتباس يتضح اعتماد علي الصلابي على المرجع السابق وذلك يعني اقتناعه بما جاء فيه.

عمر المختار

    فيما يخص نهاية الحسن فقد جاء في : ص 122 : "انتهى الموقف بالسيد الحسن إلى ما انتهى إليه وقبض عليه الطليان ونفوه إلى إيطاليا فبقي هناك أسيرا إلى أن توفاه الله غريبا عن موطنه وأهله وكان رحمه الله من أبطال الجهاد على صغر سنه ، وإلى هذا الحد أدى به اجتهاده المشوب بحسن النية ، وبسوء تصرف بعض رجال خاصته ومساعي سماسرة الاستعمار وعابدي الدرهم والدينار"(3 ، ص 122).

    ذكر النفي والوفاة في المنفى دون ذكر تاريخ أي منهما.

عمر المختار نشأته وجهاده من 1863 إلى 1931 دراسات في حركة الجهاد الليبي

    تناول الدكتور إدريس صالح الحرير تحت العنوان : (مواقف خالدة لعمر المختار) في الصفحات 71 ، 72 ، 73 سلسلة المفاوضات.

   أما بالنسبة للمعلومة المتعلقة بنهاية الحسن فقد ذكر في ص 73 : "وعندما انكشفت حيلة إيطاليا أسرعت بضرب دور الدقيق وقتل وأسر أغلب من في المعسكر وأخذ قائده الحسن الرضا أسيرا إلى إيطاليا حيث توفي هناك"(4 ، ص 73).

    ذكر النفي والوفاة في المنفى ولم يذكر لهما تاريخا محددا.

عمر المختار : الحقيقة المغيبة

    فيما يخص نهاية الحسن فقد جاء في ص 383 : نقلا من المؤلف عن غراتسياني في كتابه برقة المهدأة : "وفي (غوط الجل) وأثناء هجوم قواتنا على الدور الذي يقوده استسلم، وألقي القبض عليه"، "وفي الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1930م على ظهر مركب أوستكو الحربي، وفي معية زعماء الزوايا كان الحسن بن محمد الرضا السنوسي في طريقه إلى منفاه بـ (أوستيكا)"(5 ، ص 383). عن غرتسياني برقة المهدأة ص 46

      ذكر النفي وتاريخه نقلا عن برقة المهدأة فكان 28/9/1930 وليس 10/1/1930 كما جاء بالمرجع الأول ولكنه لم يثبت الوفاة في المنفى.

برقة الهادئة

    فيما يخص نهاية الحسن فقد جاء في ص 64 : "قامت السلطات الإيطالية بحل الدور (أي دور الحسن الرضا) الذي عرف (بدور الدقيق)"، "فالحكومة صممت على سحب السلاح من جماعة الحسن رغم امتناعهم وعليه فقد قامت قواتنا بحل الدور بعد استعمال القوة فقتل من قتل وأسر من أسر من رجاله. في المدة الأخيرة كان الحسن الرضا دائما يرفض أن يقيم داخل المدينة فبدأت تحوم حوله الشبهات فأجبر على الإقامة داخل مدينة بنغازي"(6 ، ص 64).

    لم يذكر تاريخا محددا ولا إشارة للنفي ولا إشارة للوفاة ولكنه أشار إلى ما يمكن أن يوصف بالإقامة الجبرية.

    يلاحظ اختلاف ما جاء في (عمر المختار : الحقيقة المغيبة) الذي ينقل عن (برقة المهدأة) اختلافه عما جاء في (برقة الهادئة) مع أن الكتابين : برقة الهادئة وبرقة المهدأة ترجمتان لكتاب واحد مع اختلاف المترجمين، واختلاف المترجمين لا يبرر اختلاف المعلومات بهذه الصورة، إلا إذا كان في ص 46 من برقة المهدأة النصف الثاني من المعلومة وفي برقة الهادئة ص 64 نصفها الأول.

الملك إدريس عاهل ليبيا حياته وعصره

    وفيما يخص المعلومة الثالثة المتعلقة بنهاية الحسن الرضا لا تفاصيل، واكتفى المؤلف الذي يعتمد كثيرا على روايات الملك إدريس ومحمد الرضا، اكتفى بالإشارة إلى صغر سن الحسن وقلة خبرته(7 ، ص 54).

معلومات أخرى :

    جاء في استقالة الملك الأخيرة المؤرخة في 4/8/1969 أن ولي العهد الثاني الحسن الرضا يبلغ بتاريخها من العمر 43 عاما بالتقويم القمري، أي أنه من مواليد 1926 تقريبا(7 ، ص 165).

    عمر هذا الحسن عام 1929 الذي ظهر فيه دور الدقيق كان عامين تقريبا وعليه فهو ليس الحسن صاحب دور الدقيق، بالإضافة إلى الاختلاف في تاريخ الوفاة. 

    من الملاحظ على السنوسية ولعهم بالأسماء المركبة على غير عادة البراوقة حيث يضعون (محمد) مع معظم الأسماء : محمد المهدي ، محمد الرضا ، محمد إدريس ... الخ، وليس هذا في أسماء الذكور فحسب بل حتى في أسماء الإناث : بنات أحمد الشريف الثلاث حملن في أسمائهن كلهن (فاطمة) وهن : فاطمة الكبيرة ، فاطمة الجغبوبية ، فاطمة الشفاء، ولعلهم كرروا الاسم الحسن مثلما كرروا فاطمة ومحمدا، ويبدو أن هذا التكرار وقع في أسماء أبناء محمد الرضا، بحيث وجد الحسن دور الدقيق والحسن ولي العهد الثاني.

صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي

    جاء بهذا المرجع رسم لشجرة العائلة تحت العنوان : (أهم فروع العائلة السنوسية) بالملاحق والصفحات غير المرقمة، ومنه أن الحسن ولي العهد الثاني من مواليد 1928 ووفاته 1992، وأن لمحمد الرضا ولي العهد الأول ثلاثة أبناء آخرين بالإضافة إلى الحسن (ولي العهد الثاني) وهم :

الصديق (1908 ــ 1960)

الحصن (1901 ــ 1938)

مصطفى (؟؟    ــ      ؟؟)(8 ، ص بدون رقم).

     فهل الحصن هو الحسن دور الدقيق؟ فلماذا اختلف الاسم وتاريخ الوفاة؟.

تصحيح الذاكرة الليبية

     هذا عنوان رسالة من مجلة المنار التي يصدرها محمد الحسن الرضا الذي يوصف حاليا بالوريث الشرعي والذي يعتبر الحسن دور الدقيق عمه (أخو أبيه مباشرة)، والرسالة موجهة إلى موقع ليبيا المستقبل عام 2006، وفيها تصحيح لبعض المعلومات المتعلقة بأسرة محمد الرضا المهدي السنوسي ولي العهد الأول، وقد جاء في التصحيح ما يلي :

   ابناء الامير محمد الرضا السنوسى رحمه الله هم بالترتيب :

1 ــ السيد محمد الصديق الرضا السنوسى رحمه الله (1907م – 1962م).

2 ــ السيد الحسن الرضا السنوسى (الكبير) رحمه الله (1911م – 1928م).

3 ــ السيد السنوسى الرضا السنوسى رحمه الله (1915م – 1984م).

4 ــ السيد مصطفى الرضا السنوسى رحمه الله (1923م – 2002م).

5 ــ السيد الامير الحسن الرضا السنوسى (الصغير) رحمه الله (1928م – 1992م) ولى عهد المملكة الليبية(9 ، ص ...).

    هذا التصحيح  زادنا إرباكا على إرباك، ويلاحظ عليه الآتي :

1 ــ صدق توقعاتنا في وجود أسماء مكررة في أسرة محمد الرضا، فها هنا يوجد حسنان يلقب أحدهما بالكبير والآخر بالصغير.

2 ــ لا وجود لأحد من الأبناء يحمل اسم الحصن كما ذكر مصطفى بن حليم في (صفحات مطوية).

3 ــ والأهم والمربك أن الحسن الكبير والمفترض بأنه هو الحسن دور الدقيق توفي حسب هذه الرسالة عام 1928 أي قبل عام 1929 العام الذي ولد فيه ذلك الدور، وقد عبر صاحب الموقع عن شكره وامتنانه لهذا (التصحيح) والتزم بما جاء فيه!!.

     تاريخ وفاة الحسن الذي ارتبط بدور الدقيق هنا وهو تاريخ يسبق تاريخ هذا الدور قد يستغل مستقبلا ممن يدعو لإعادة كتابة التاريخ، وقد يعتمد على هذا التضارب إذا كان متشيعا للسنوسية ومولعا بتلميعها لينفي وجود ما يسمى بدور الدقيق أصلا لتضارب تاريخه مع تاريخ وفاة بطله، خاصة وأن المعلومة صادرة من شخص يتوقع منه المعلومة الموثوقة لصلة القرابة، وبالمناسبة فهذه الواقعة ذات مغزى وعبرة لكل اللاهجين بضرورة إعادة كتابة التاريخ دون روية.

    فما الحل لهذا اللغز السنوسي بامتياز؟ وهل يعقل أن يجهل الوريث الشرعي المزعوم أبسط المعلومات عن أقرب الناس إليه؟ ومن يكون الحسن دور الدقيق؟ وإذا كان قد مات في فلورنسا فهل أعيدت رفاته؟ وأين دفنت؟ ومتى؟ حيث لا ذكر في المراجع لذلك، وإذا دفن بفلورنسا فأين قبره؟ وإذا توفي ببرقة فأين قبره؟ خاصة وأن السنوسيين معروفون بالعناية بالقبور والأضرحة وتقديسها؟ وكيف يمكن التوفيق بين المراجع السابقة أولا والتوفيق ثانيا بينها وبين المعلومات التي جاءت برسالة المجلة التي يصدرها شخص قريب جدا من بطل هذا اللغز؟ وهل هذا الغموض حول نهاية الحسن دور الدقيق متعمد؟ ولماذا؟.

تاريخ نشر الصيغة الأولى 26/8/2022

10/5/2023 :

    بعد نشر هذا المقال على صفحتي بالفيس بوك بتاريخ 6/9/2022 جاء التعليق التالي من الباحث في السنوسية الأستاذ : يوسف عبد الهادي الحبوش، ووجه كلامه إلى الصديق (عبد القادر بو هدمة) الذي يبدو قد اطلع على المقال على صفحتي ونبه الأستاذ يوسف بطريقة أو أخرى إليه، وقد رددت على الأستاذ يوسف بتساؤل فلم يرد علي :

يوسف عبد الهادي  · 

متابعة

المسألة ليس فيها لغزا ولا لبسا.

وكل ما ورد في مجلة المنار صحيح.

للمرحوم السيد الرضا حسنان وهما:

الحسن الكبير المعروف في أدوار الجهاد.

والحسن الصغير الذي وُلد بينما ابوه الرضا في المنفى فسُمي بـ(الحصن) تفاؤلا بنجاة والده. فلما نُفي الحسن الاول ومات في ايطاليا عُدِل اسم الثاني لـ(الحسن) على اسم اخيه المتوفي, واختفى اسمه الاول تلقائيًا.

هذه هي المسألة.

الغريب أن شرح القصة معروف موجود عند الاشهب.

هذا الرد لأجلك سيد Abdelkader Buhidma.

عبدالله هارون عبدالله

يوسف عبد الهادي  شكرا أستاذ يوسف ولكن ما تفسير ما جاء في رسالة المنار من أن تاريخ وفاة الحسن الكبير كان 1928 أي قبل ما يعرف بدور الدقيق؟ وأين دفن الحسن الكبير؟

    والأستاذ يوسف يؤكد في رده هذا على وفاة الحسن بإيطاليا، وهذا غريب، حيث أصدرت إيطاليا عفوا عاما سنة 1932م(10 ، ص 109)، وعاد بمقتضاه المهاجرون والمنفيون، إلا من فضل عدم العودة مختارا؛ فلماذا لم يعد الحسن وظل بإيطاليا حتى وفاته عام 1936 حسب محمد فؤاد شكري؟ هذا إن كانت معلومة وفاته بإيطاليا عام 1936 صحيحة؛ ثم أن الحسن ليس مواطنا برقاويا عاديا لكي لا يسأل عنه من قبل السنوسية؛ فقد نفت إيطاليا إلى الجزر الإيطالية الآلاف من برقة، وقد زار الأمير إدريس السنوسي إيطاليا في النصف الثاني من نوفمبر 1920م(5 ، ص 167)؛ وبقي بها أكثر من أربعين يوما(1 ، ص 323)، فيما كان أؤلئك المنفيون يعانون على مقربة منه، ولكنه لم يسأل عنهم، وكذلك زار ولي عهد الإمارة : محمد الرضا إيطاليا في يناير 1919م(5 ، ص 124) ولم يكلف نفسه عناء السؤال عن أولئك التعساء أو زيارتهم؛ أما الحسن فهو ليس مثل أولئك المنفيين؛ فهو سنوسي من الأشراف وليس من أولئك المطعون في شرفهم!!؛ هو ابن ولي عهد الإمارة محمد الرضا، الذي كان ببنغازي مع الطليان صديقا مخلصا حينما نفي ابنه، فكيف لم يتساءل عن مصيره بعد صدور العفو العام؟ وهو أي الحسن ابن أخي الأمير الموجود حينها بمصر ويحظى بصداقة الملك فؤاد الأول؛ وهذا الأخير تربطه علاقة خاصة مع إيطاليا، فلماذا لم يسع الأمير لديه ليسعى لدي السلطات الإيطالية لإعادة ابن أخيه بعد صدور العفو العام؟ هل فضل الحسن البقاء بالمنفى مختارا؟!!!، ولماذا لم يسع الاثنان : الملك إدريس وأخوه محمد الرضا ولي عهد المملكة لإعادة رفاته بعد عام 1951م؟. غموض السنوسية كالعادة غموض صوفي لا حدود له.

................................................................................................

     للتهميش، اخترت طريقة سهلة وتقلل من حجم النص كما أراها، وقد وجدت مثالا عليها في كتاب نيكولاي بروشين : (تاريخ ليبيا من نهاية القرن التاسع عشر حتى عام 1969) ترجمة عماد حاتم منشورات مركز دراسة جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي، ط؟، 1988؛ فقد استخدم على سبيل المثال (20 ، ص 91)، فالرقم الأول (20) يشير إلى رقم المرجع في قائمة المراجع؛ أما بخصوص الروابط فقد أشرت إليها هكذا : (8 ، ص ...) على سبيل المثال.

قائمة المراجع :

 (1) محمد فؤاد شكري، السنوسية دين ودولة، مراجعة يوسف المجريسي، الطبعة الأولى (المحققة) 1426 هـ ــ 2005م، منشورات مركز الدراسات الليبية ــ أكسفورد، نشر هذا الكتاب أول مرة نهاية أربعينيات القرن الماضي.

(2) د. علي الصلابي، تاريخ السنوسية في أفريقيا القسم الأول، الطبعة : الخامسة 2011، منشورات دار المعرفة.

(3) محمد الطيب بن إدريس الأشهب الحميدي السقفي، عمر المختار pdf، طبع بعناية مكتبة القاهرة على نفقة السيد عبد الله بن عابد السنوسي عام 1958.

(4) عمر المختار نشأته وجهاده من 1863 إلى 1931 دراسات في حركة الجهاد الليبي، أعمال الندوة العلمية التي عقدها مركز دراسات جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي، بمناسبة الذكرى الخمسين لاستشهاد عمر المختار، إشراف الدكتور عقيل محمد البربار، سنة النشر 1981، منشورات مركز دراسات جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي.

 (5) يوسف عبد الهادي الحبوش، عمر المختار : الحقيقة المغيبة، الطبعة الأولى 1438 هـ ــ 2017م، منشورات مكتبة وهبة ــ القاهرة.

 (6) الجنرال رودلفو غراسياني، برقة الهادئة  pdf، ترجمة إبراهيم سالم بن عامر، الطبعة الثالثة يناير 1980

منشورات دار مكتبة الأندلس للطباعة والنشر ــ بنغازي.

(7) إيريك آرمار فولي دي كاندول، الملك إدريس عاهل ليبيا حياته وعصره pdf، ترجمة ؟؟؟، الطبعة الثانية، منشستر 1990، الناشر محمد عبده بن غلبون. 

 (8) صفحات مطوية من تاريخ ليبيا السياسي : مذكرات رئيس وزراء ليبيا الأسبق مصطفى أحمد بن حليم، الطبعة الأولى  في بريطانيا العظمى 1992.

(9) تصحيح الذاكرة (رسالة مجلة المنار إلى موقع ليبيا المستقبل بتاريخ 8/2/2006 على الرابط :

https://archive.libya-al-mostakbal.org/HeshamTajouri/almanar080206.htm

(10) السنوسية من الزاوية إلى الدولة، (1841 ــ 1969)، أعمال الندوة العلمية الثانية المنعقدة بالجغبوب يومي 23 ــ 24 ديسمبر 2019م، منشورات جامعة طبرق، ط2، 2022م.

.................................................................................................................

نشرت الصيغة الأولى من هذا المقال على هذه المدونة بتاريخ 9/9/2022

على هذا الرابط :

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2022/09/1.html

 

ونشر على صفحتي بالفيس بالنص بتاريخ 6/9/2022

على الرابط :

https://www.facebook.com/abdhaabd/posts/pfbid0CahFTNteGoU6eHrr7PafADGBbYYWfFzWijMitHiCGQ9sHLBLyps3j8aZEw4eohrdl?__cft__[0]=AZXvgQnXNLUj0A6TjLHYqYNR34C39UeUU-Rq-5h5U_CU9MXtVzevxch5e8n0oX9LAILG7p-ZN_SmhIHWt5tk662go3gMuJnpXEu5sZtPHj60wjMgQzdC6ri3g1J8bEKWmqmfTd4rVn0XytN373yp7qNiEoQWhjS53Gax1MzmjkNdcw&__tn__=%2CO%2CP-R


نشر الصيغة الثانية المعدلة على المدونة بتاريخ 2/6/2023 مكان الصيغة الأولى هذه المدونة

وعلى نفس الرابط :

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2022/09/1.html

 

 


الفهرس الثاني

  يسمح بإعادة نشر أي من محتويات المدونة بشرطين  : الشرط الأول : عدم التصرف في المادة المنشورة الشرط الثاني : الإشارة للمصدر عبد الله ...