الاثنين، 5 سبتمبر 2016

أكاسيد السياسة



أكاسيد السياسة*


بمناسبة الحديث الساذج والظالم عما يسمى بالمصالحة

       يقال : لا توجد في السياسية عداوة دائمة ولا صداقة دائمة ولكن مصالح دائمة .. فهل هذا المبدأ صحيح بالمطلق؟ .. يمكن أن يكون صحيحا إذا صدقنا بوجود صراع سياسي بحت خال أو شبه خال من الشوائب الأخرى .. والصراع السياسي الأقرب إلى هذا هو صراع سلمي بين أفراد أو جماعات سياسية أحزاب مثلا وموضوعه كرسي السلطة (الانتخابات الأمريكية أقرب مثال) .. ولكن السياسة (وخاصة المطهمة بالعنف) مثل الحديد الذي لا يوجد في الطبيعة بحالة نقية بل يوجد على هيئة مركبات كيميائية .. ومن هذا التشبيه يمكننا الحديث عما يمكن تسميته بأكاسيد السياسة .. أي السياسة في مركباتها الجغرافية والتاريخية والدينية والاجتماعية والاقتصادية .. وفي أكاسيد السياسة هذه ثمة عداوة إن لم تكن دائمة فمتجددة أو طويلة الأجل.

العداوة الدائمة حقيقة

       ليتضح المقال بالمثال ندرس تاريخ علاقة أوروبا منذ ما قبل هانيبال مع ما يعرف الآن بالوطن العربي .. فهذه العلاقة في إطارها العام على مدى هذه القرون المتطاولة علاقة عدائية على أقصى وأقسى درجات العداوة : إذا قويت أوروبا زحفت جنوبا وإذا قوي الجنوب زحف شمالا .. وكم كرر التاريخ نفسه لينبهنا إلى هذه الحقيقة المرة .. قارن في المقابل وعلى سبيل المثال العلاقة بين مصر وبرقة كعلاقة تمثل نموذجا لحسن الجوار وتبادل المصالح .. إنها المقارنة بين سبتيموس سفيروس وشيشنق على الترتيب .. هذه المقارنة تؤكد على غلبة العداء في العلاقة الأولى على صراع المصالح  .. أما العلاقة الثانية فهي تؤيد أحمد شوقي وتجيب على سؤاله الذي طرحه في قصيدته في رثاء عمر المختار :
ما ضر لو جعلوا العلاقة في غد           بين الشعوب مودة وإخاء ؟

لا للمصالحة .. نعم للمعالجة

        إذا رأيت رجلين يتشاجران فهل تطلب منهما التوقف وأن يحتضن كل منهما الآخر وتكتفي بهذا وتنصرف؟ .. ربما إذا مارست شيئا من الضغط سوف ينفذان أمرك ولكن بمجرد أن تنصرف سوف يعودان للشجار والعنف مرة أخرى .. التصرف المتوقع والمجدي ليس الاكتفاء بدعوتهما للعناق وللتسامح بل سؤالهما عن سبب شجارهما .. ومن ثم يكون البحث في معالجة الأمر وقد تجد نفسك منضما إلى أحدهما إذا اقتنعت بعدالة أو وجاهة موقفه .. فالناس لا تتقاتل بلا مبرر وخاصة إذا كان الاقتتال بين جماعات كبيرة ولفترات زمنية متطاولة وهو ما يمكن تسميته بالصراع الأهلي أو الحرب الأهلية .. ولا يدفع بنظرية المؤامرة والتدخل الخارجي الذي لا يكون ولا ينجح إلا بوجود بذرة الصراع المحلية : ينبغي وجود فتنة أولا .. نائمة ثانيا .. لتوقظ ثالثا .. وفي (ثالثا) فقط ثمة حيز للتآمر .. فنسبة المؤامرة لا تتجاوز الثلث والثلث كثير.
       وصف الصراع الأهلي بالصراع السياسي وصف خادع لأن نسبة السياسة فيه متدنية جدا .. إنه قليل من السياسية مع كثير من المركبات أو العناصر الأخرى .. والمبدأ الذي يتحدث عن المصالح الدائمة والعداوة أو الصداقة المرحلية لا يعمل هنا .. هنا لابد من معالجة الأسباب برؤية مستقبلية معالجة عادلة وشفافة .. بعبارة أخرى قتل الفتنة لا (التهواي) عليها لتخلد إلى النوم لتستيقظ ذات يوم أو ذات مصيبة وهي في كامل نشاطها.

خطورة (الحتحات) 

        تكرر استخدام هذا (الحتحات علي ما فات) يقتل في الشعب روح التضامن والنخوة .. فمادام إلغاء تضحيات الناس من أجل ما يرونه حقا وعدلا بهذه العبارة واردا وبقوة فإن الأجيال تكتسب بمرور الزمن مزيدا من بلادة الحس ويتعزز الأخذ بالمبدأ القائل : (خطا راسي وقص) .. وقد يترتب على ذلك تقاعس الأجيال القادمة عن الدفاع عن الوطن حتى في حالة الغزو الخارجي.
       لو كان عمر المختار يتوقع أن يضرب بجهده وجهاده وبعشرات الآلاف الذين قضوا في العقيلة والمقرون والبريقة عرض الحائط بهذا الحتحات الذي اتخذ بقرار من الملك إدريس الذي لم يفقد أحدا من أسرته ولا من أقاربه في تلك الحرب ولم تطاله نارها .. بل ويصل به الاستخفاف والسخرية من المعاناة والدماء والدموع أن يوافق (وهو قائد جيش تحرير ليبيا من الطليان) على دستور يساوي بين أبناء الجلاد الإيطالي وأبناء الضحية البرقاوي .. بل ويمنح الطليان أفضل الفرص الاستثمارية في العاصمة .. لو كان عمر المختار ومن معه يتوقعون ذلك ترى هل كانوا ليستجيبوا لتحريض السنوسيين لإقحامهم في حرب يعلم السنوسيون أنفسهم بأنها عبثية؟.
        غلطة الملك إدريس (إلا إذا كان معصوما) تتلخص كما يبدو في تعامله مع تضحيات البراوقة إبان الغزو الإيطالي باعتبارها نتاج صراع أحمق بين قبائل محلية : المرابطين والسعادي على الأغلب في جهة وقبيلة الطليان في جهة أخرى .. ونظر كما يبدو أيضا إلى غراتسياني باعتباره شيخ قبيلة الطليان إحدى القبائل الشريفة المجاهدة .. وقد كانت قراءة ساذجة وظالمة ومستهترة بالتأكيد .. وجاء الدستور (دستور الأجداد؟؟) ليؤكد عليها .. وبذلك صار من المتوقع النظر إلى من يذكر بمعتقلات البريقة والعقيلة وجهاد عمر المختار ورفاقه باعتباره مقلبا للدفاتر القديمة .. مثيرا للفتنة ومهددا للسلم الاجتماعي.
       السياسي الذي لا يميز بين السياسة النقية وأكاسيدها أي (خام السياسة) يعرض رصيده الشعبي والتاريخي للضياع .. وربما هذا ما جعل حكم الملك إدريس قصيرا .. وقد خرجت ضده المظاهرات السلمية في برقة وسقط فيها ضحايا في شهر رمضان 1383 هـ يناير 1964 م وتكررت في الأعوام التالية .. وما جعل شعبية القذافي كبيرة في البداية على الأقل لأنه بدأ بمعالجة هذه الغلطة تحديدا .. ثم تدنت شعبيته بمرور الزمن فخرجت ضده المظاهرات وفي برقة أيضا .. واختلاف حجم التظاهرات بين الواقعتين أو العهدين ربما لأنه لم يوجد في المرة الأولى لا الفيسبوك ولا قناة الجزيرة.
        تبقى كلمة وإن كانت لا تغني كثيرا .. فلعل في تحميل الملك إدريس كامل المسئولية تقديما لثلثي الحقيقة .. فمن قراءة مصادر تلك المرحلة يتبين أن من ضمن أسباب توجهه هذا إن الذين تسلموا مقاليد الحكم معه كانوا من كبار التجار ذوي المصلحة في التعامل مع الأجنبي والذين لم يكتووا بنار الحرب وويلاتها ولذلك كان التوجه للاستخفاف بتضحيات الناس وطي الصفحة على علاتها جارفا.

30/8/2016
.............................................................................................................

    * مقال قديم تم تجاوزه بالمقال رقم : (30) فهم الحرب الأهلية (2) أكاسيد السياسة.

تاريخ النشر : 5/9/2016

الرابط :

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2016/09/blog-post.html




الجمعة، 24 يونيو 2016

الديناصور والبكتريا


يفضل التصفح من خلال الفهرس الأول : مقالات

رابط الفهرس :

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2024/07/blog-post.html


الديناصور والبكتريا
جدل الانفصال والاتصال .. الميكرو والماكرو

      هل الضخامة تعني القوة بالضرورة؟
      كان هذا أحد الأسئلة التي طرحتها البكتريا على الديناصور .. وكانت إجابته الواثقة بالإيجاب.
      ردت البكتريا : موعدنا إذن التغيرات المناخية القادمة.

التدمير الذاتي

      الحضارة الغربية لا تخلو من لمسة شيطانية .. فبعد إيقاظها الفتنة الهاجعة بين مكونات النواة وجعلها تتصارع فيما بينها لاعبة على تعدد تلك المكونات وتنوعها فتنشطر النواة وتدمر نفسها تدميرا ذاتيا متسلسلا فيما يعرف بالقنبلة الذرية وما نشأ عن هذه الأسلحة الفتاكة من تدمير ومآس .. ها نحن نشهد حقبة جديدة من الحروب يمكن تسميتها بحقبة التدمير الذاتي للمجتمعات وفيها محاكاة لما تم مع الذرة .. فما وقود هذا النوع من الحروب؟

طعوم فاقدة الصلاحية

      نحن حيتان وأسماك نعوم في بحر من الأكاذيب وتتراءى لنا طعوم مغرية إن لم تكن مسمومة أو فاقدة الصلاحية فيكفي بأنها طعوم الغرض منها استغلالنا.
     (التعددية والتنوع دليل عافية ومصدر قوة للمجتمع) .. هذا أحد الطعوم .. ربما كان صالحا في حقبة ماضية أما الآن : في حقبة التدمير الذاتي للمجتمعات فهو بالإضافة لكونه طعما وضع بنية خبيثة فأنه فاقد للصلاحية .. في حقبة التدمير الذاتي تعتبر التعددية وقودا لهذا النوع من الحروب .. وهكذا نشاهد ازدهار التطهير العرقي والصراع الجهوي والمذهبي والديني.
     الغرب الذي أغرانا بهذا الطعم أو الشعار : (مديح التعددية) وطعوم أخرى مثل القبول بالآخر وحقوق الإنسان لا يؤمن فيما يبدو بهذه الشعارات (لا الحكومات ولا حتى الشعوب) ولا يطبقها .. هي بالنسبة له على الأغلب شعارات للتصدير وليست للاستهلاك المحلي .. رأينا ذلك في أزمة المهاجرين إلى أوروبا الذين ما هاجروا إلا بفعل موجة التدمير الذاتي لمجتمعاتهم بمؤامرات الغرب وألاعيبه .. أو بفعل الفقر الذي ساهم الغرب في خلقه بجشعه ونهبه لمقدرات الآخرين.
      للذين لا يؤمنون بنظرية المؤامرة ندفع بمصطلح بديل ربما يكون أكثر ملاءمة ودقة إنه مصطلح التوظيف .. إن الغرب لا يتآمر علينا .. أي بمعنى لا يختلق أزماتنا بل يوظف بذورها المتمثلة في تناقضاتنا وتعدديتنا ضدنا ويستغلها أيما استغلال .. لعل ثمة من يفكر بأن الحل ليس في الاعتراف بتناقضاتنا بل في تجاهلها أو إنكار وجودها أو محاولة ترويضها فهل ثمة إمكانية لذلك؟.

من وحي التشبيه

ــ إيقاظ الفتنة النائمة بين مكونات النواة له فوائد أيضا.
ــ هذا صحيح .. وتبقى الموازنة بين المفاسد والمنافع.
ــ التفاعلات النووية ليست انشطارا فقط فهناك تفاعلات الاندماج.
ــ وهذا صحيح أيضا .. ولكن كأن الطبيعة تفضل على ما يبدو الانشطار على الاندماج فجعلت شروط الأول أيسر بكثير من شروط الثاني.
ــ تعبير : (الذرة تدمر نفسها) ليس دقيقا.
ــ التدمير المقصود لا يعني الفناء بل يعني التحول .. فقد يتحول الزئبق إلى ذهب.
ــ الانشطار مطلب استعماري.
ــ ليس هذا صحيحا على إطلاقه .. جامعة الدول العربية وإلغاء الفيدرالية في ليبيا وبقاء الهند موحدة تحت الاستعمار البريطاني وتقسمها بعد خروجه  وغير ذلك أمثلة تدحض ما تقول .. ثم ليس المهم ما يريده الاستعمار بل ما نريده نحن .. ولا ينبغي أن نبحث عن مخالفته لمجرد المخالفة.
ــ وماذا عن الضخامة بمنظور الطبيعة؟
ــ يكفي أن تعلم أن النجوم المسماة بالسوبرنوفا قصيرة العمر لضخامتها المفرطة.
ــ أستطيع تذكر أمثلة كثيرة على العكس.
ــ الحجة عاهرة كما تعلم!!.

عودة لموضوع التشبيه

      وهكذا نجد البلدان الضخمة غير المتجانسة سكانيا تعاني والبلدان الصغيرة المتجانسة تزدهر .. وفي ذلك أثبات للمبدأ من وجهيه.
     ألا ترى على سبيل المثال كيف تستطيع قطر هذه الدولة الميكرو أن تعبث بالأمن القومي لمصر الدولة الماكرو بمقاييس العراقة والجغرافيا والديموغرافيا بينما لا تستطيع مصر أن تعبث بالأمن القومي القطري؟ .. هنا الميكرو في مواجهة الماكرو والغلبة للأول لخلوه من فيروس التعددية.
      ثم أن حدود الدول ليس (كما يقال في الفقه الإسلامي) أمرا توقيفيا .. رأينا كيف صارت سنغافورة بعد طردها من الاتحاد الفيدرالي الماليزي وهي في حجم بلدية ليبية وكيف صارت تشيكوسلوفاكيا الصغيرة جغرافيا أصلا دولتين ولم تقم القيامة بعد .. بل ربما قامت القيامة بالفعل لو ظهر تيار أحمق فاعل في تشيكوسلوفاكيا يمنع التقسيم بحجة اللحمة الوطنية! .. وحتى في بريطانيا صاحبة المبدأ : (فرق تسد) كادت اسكوتلندا أن تنفصل .. بل إن بريطانيا هاهي تخرج من الاتحاد الأوروبي (*) الذي بهر به العرب كثيرا .. إنه جدل الانفصال والاتصال كل حسب مصالحه وظروفه .. والمهم فيه مراعاة رغبات الناس ديمقراطيا.
     خيمة الوطن خيمة مطاطية فلا تبالغوا في مطها لكي لا تتمزق.. وقوة الأوطان ليست بالكيلومترات المربعة التي تغطيها هذه الخيمة بل بدرجة الوئام والانسجام والتجانس .. ولا تصدقوا بأن التعددية والتنوع مصدر قوة على الأقل في هذه الحقبة.
     وحلت التغيرات المناخية المرتقبة فصمدت البكتريا وانقرض الديناصور.

12/6/2016

...........................................................

(*) عدلت في هذا الموضع من المقال بعد ظهور نتيجة الاستفتاء في بريطانيا وكان التعديل بتاريخ النشر : اليوم 25/6/2016

السبت، 19 ديسمبر 2015

الحاجة لليقين


يفضل التصفح من خلال الفهرس الأول : مقالات

رابط الفهرس :

http://abdullahharunabdullah.blogspot.com/2024/07/blog-post.html


الحاجة لليقين
        الفكرة السائدة هي رفض الجزم واليقين والدعوة لإظهار التواضع العلمي وحتى التردد والشك في قدرة العقل والتأمل وعدم إبداء أي رأي أو اتخاذ أية مبادرة .. إذا أردنا مغازلة السائد انضممنا للحرب على اليقينيين والجازمين ولكن لا بأس من مشاكسة السائد حبا في مشاكسته أولا ولأن هذا السائد قد يكون زائفا لا يستحق المغازلة.
      الجازمون واليقينيون قدموا نظريات تتعلق بالفلك وقوانين الحركة على سبيل المثال بعضها صمد وآخر تم تجاوزه بيقين آخر عرضة بدوره للتجاوز .. أحدى اليقينيات التي ما تزال تقاوم أن القمر الصناعي الخاص بالاتصالات والبث الفضائي ينبغي أن يوضع على ارتفاع فوق خط الاستواء يبلغ 35880 كيلو متر .. بناء على هذا اليقين ظهرت فوائد كثيرة من بينها الفيس بوك ومع هذا تجد على الفيس بوك هذا من يلعن سنسفيل اليقين!!!.
      قد تظهر في المستقبل طرق أخرى للاتصالات وبدائل للانترنت والفيس بوك لا تعتمد على معلومة ارتفاع القمر الصناعي اليقينية هذه .. ذلك موضوع آخر.
      لنتخيل أن البشر قد اجمعوا على رفض الاجتهاد وصاروا مجرد مخلوقات هائمة على وجهها لا تؤمن بشيء وكل من قال برأي قوبل بالاستهجان والإسكات بحجة رفض اليقين .. لو كان هذا حالهم حقا لما تجاوزت الإنسانية مرحلة الصيد وفق أكثر التوقعات تفاؤلا.
اليقين المرحلي
      هناك يقينيات تصمد طويلا وأخرى ذات عمر قصير لكن مما لا شك فيه (ودعوني أقول : مما لاشك فيه .. نكاية واستفزازا لمغازلي السائد فإن كنت على حق فبها وإن كنت مخطئا فلن تزداد ليبيا خرابا) .. مما لا شك فيه أنه ثمة حاجة لما يمكن تسميته باليقين المرحلي أو الآني .. فاليقين بأن الأرض مركز الكون استطاع أن يمنح الرضا لأجيال من البشر وأن يجيب على ما دار بخلدهم من أسئلة وكان المحرك والحافز لجاليليو لنسفه بيقين آخر عرضة بدوره للنسف .. وفي موروثنا الإسلامي دعوة للاجتهاد وفي الاجتهاد جزم تترتب عليه مذاهب وفرق ومع ذلك فثمة أجر واحد على الأقل لكل مجتهد وإن أخطأ الاجتهاد.
إجابات متجددة لأسئلة قديمة
       نقول للدارس بالمرحلة الابتدائية أنه لا يمكن طرح ستة من خمسة .. وحينما يبلغ المرحلة الإعدادية نقول له بأن ذلك ممكن .. ونقول له بأن مجموع زوايا المثلث مائة وثمانون درجة لا أكثر ولا أقل .. ولكن حينما يتقدم في الدراسة يعلم بوجود مثلثات مجموع زواياها يزيد وأخرى يقل عن هذا العدد .. إن ما قلناه وما يكتشفه الدارس مجرد جرعات يقينية قدمت على مراحل ولا تناقض بينها.
       من طريف ما يمكن ذكره هنا ومن الواقع الليبي أن حجاوة أو أحجية ليبية ظهرت في سبعينيات القرن الماضي نصها : أيش اللي لك قوم منبلطة لا هي جيش ولا هي شرطة؟ وكانت الإجابة المرحلية : التشكيل العسكري الموجود حينها والذي يعرف بالمقاومة الشعبية .. الآن يمكن الدفع بإجابة أخرى : أيش اللي لك قوم منبلطة لا هي جيش ولا هي شرطة؟ .. الإجابة : كل التشكيلات والميليشيات التي تصول وتجول الآن على الساحة.
       الإعجازيون أولئك الذين يعتبرون تعدد تأويلات النص القرآني عبر الزمن دليلا على إعجازه .. فهل يتفرد القرآن بهذا؟ .. رأينا بأن في الرياضيات وكذلك في أحاجي الليبيين وألغازهم شيئا من تعدد الإجابات والتأويل أيضا.
مفارقتان
 الأولى : على المستوى الشخصي ومن خلال معرفتي بالأصدقاء الذين يحاربون الجزم واليقين فإنني أطرح عليهم مثلا السؤال التالي : هل محمد بن عبدالله الذي اشتهر في مكة في القرن السابع الميلادي مبعوث من عند الله تعالى حقا؟ .. إجابتهم المؤكدة : نعم وبالتأكيد .. ومما لاشك فيه .. ولا شك في ذلك .. ولا يختلف على ذلك اثنان .. ولا تنتطح فيه عنزان .. فهل اليقين هنا يصل لمستوى اليقين في معلومة الأقمار الصناعية على سبيل المثال؟ إن هذه الإجابة الجازمة اليقينية يقابلها أكثر من ثلاثة أرباع سكان الأرض بالشك والتكذيب .. فتأمل كم نحن في حاجة ولو مرحلية لشيء من اليقين.     
الثانية : الذين يحاربون الجزم واليقين وعبارة (مما لا شك فيه) يتورطون في التناقض .. إنهم يحاربون الجزم بجزم ويحاربون اليقين بيقين وما أحراهم بأن يشكو في الشك ذاته.  


17/12/2015   

الأحد، 13 ديسمبر 2015

الماء والمرايا



الماء والمرايا .. مونودراما غنائية
الفصل الأول
مشهد (1) المشهد الافتتاحي:
   مشهد يعتريه الغموض و الإبهام
الصوت : صوت رجالي أو نسائي يقوم بدور الراوي
الموسيقى : تمهد للحدث ثم تمثل خلفية له
الراوي (يقرأ) :
أرى طيـــــــــــــــــــــفاً يلـــــــــــــوح
أذكرى مــــــــــــــــــــــــــــــــــا تزال
تحتـــــــــــــــــــــــــــاجها الغيـــــوب؟
أم فكــــــــــــــرة تكــــــــــــــــــــــــاد
في صــــــــــــــــــــــــــــــمتها تذوب؟

مشهد (2)
تتضح تدريجيا ملامح المشهد السابق ويظهر الشاعر الذي يستدير قبيل نهاية المشهد سالكا ما اتفق له من الدروب التي تبدو أمامه
الموسيقى معبرة
الصوت : صوت الراوي               
الراوي :
أم عـــــــــــــــــــــــــــــــــاشقٌ وحيد؟
بل شــــــــــــــــــــــــــــــــاعرٌ جريح
رفيــــــــــــــــقه الجــــــــــــــــــــوى
به لمــــــــــــــــــــن يبــــــــــــــــوح؟
ليمضِ أينــــــــــــــــــــــــــــــــــــــما
تمضي به الــــــــــــــــــــــــــــدروب
مشهد (3)
مشهد عام تبدو فيه من بعيد روضة وقد أحالته الدروب عليها .. يتجه إليها
الموسيقى : معبرة
الصوت : صوت الراوي
الراوي :
إلى مــــــــــــــــــــا يشــــــــــــــتهي
شفــــــــــــــــــــــــــــــــــــاهٍ تزدهي
أريجــــــــــــــــــــــــــــــــــــها دعاه
حديثها الطيــــــــــــــــــــــــــــــــوب
وعمــــــــــــــــــــــــرها قـصـــــــير
لكنما تحيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــاه
لها فلـــــــــــــــــــــيشــــــكُ ما يلقى
مشهد (4)
 حيث تبدو الزهور بوضوح و الشاعر يناجيها
الصوت : صوت الشاعر
الموسيقى : مصاحبة للغناء
الشاعر (يغني) :
منـــــــــــــــــــــــابعَ الرحـــــــــيق
تقـــــــــــــــــــودني إليـــــــــــــــك
ثنيـــــــــــــــــــــــــات الطــــــريق
فهـــل عــــــــــــــــــــــــــرفت في
ملامحَ الصـــــــــــــــــــــــــــــديق؟
وهــــــــــــــــــل ألقى لديـــــــــــك
عـــــــــــــــــــــــوناً عــــــلى التي
تقيــــــم في عـــــــــــــــــــــروقي؟
مشهد (5)
حيث يتغير موقع الشاعر
الصوت : مجموعة أصوات نسائية تقوم بدور الزهور
الموسيقى : مصاحبة للغناء
الزهور (تغني) :
هذا الأريج الفــــــــــــــــــــــاغم
وهــــــــــــــــــــــــــــذه الألوان
وذا التنـــــــــــــــــــــــــــــــاغمُ
منها ومن إحســــــــــــــــــاسها
ومن شــــــــــذا أنفــــــــــــاسها
******
ذاك الذي يـــــــــــــــــــــداعب
ذوائب الأشجــــــــــــــــــــــار
ويمــــــــــــــــــــزج الأنفاس
ويســـــــــــــــــــــــرق العبير
أبو العـــــــــــــــــــــــواصف
وبـــــــــــــــــــــذرة الإعصار
له فلــــــــــــــــــتشــكُ ما تلقى
مشهد (6)
و هكذا تحيل الزهور شكوى الشاعر على النسيم
الفصل الثاني
مشهد (7)
مشهد عام و النسيم يعابث ذوائب الأشجار
الصوت : صوت الراوي
الموسيقى : خلفية موسيقية مناسبة
الراوي :
أيكفي الشـــــــــــــــــــــــــاعرَ ــ
إذا نـــــــــــادى النسيــــــــــــمَ ــ
نـــــــــــــــــــــــــــــــــداءٌ مثقلُ
بنفحة الرجــــــــــــــــــــــــــــاء
ليحظى من نــــــــــــــــــــــدائه
بمـــــــــــــــا يؤمّـــــــــــــــــَلُ؟
مشهد (8)
الشاعر يناجي النسيم
الصوت : صوت الشاعر
الموسيقى : مصاحبة للغناء
الشاعر :
يا ســــــــــارياً ســـــــــــرى
رشيقاً ســـــــــــــــــــــــاخرا
ليشبع الشــــــــــــــــــــــراع
ويستفــــــــــــز الأبحــــــــرَ
كن على الثقــــــــــــــــــوب
في زورقي المثقــــــــــــوب
من الهوى الهـــــــــــــــوائي
وحبي اللعـــــــــــــــــــــوب
حليفا ناصــــــــــــــــــــــــرا
مشهد (9)
حيث يتغير موقع الشاعر
الصوت : صوت رجالي يقوم بدور النسيم و يكون متموجا موحيا بحركة النسيم
الموسيقى : مصاحبة للغناء
النسيم (يغني) :
شفـــــــــــــــــــــــــاهها معين
من فيـــــــــــضه أنفـــــــاسي
يا طـــــــــــــــــــــــــيبه عليه
كم أحســـــــــــد الشفـــــــــاهَ
وشلال الحرير  بلمستي تباهَى
كالمــــــــــــــنتشــــــي وتاهَ
******
ذاك الذي يفيــــــــــــــــض
ضياءً مستـــــــــــــــــــعارا
ومثل الشـــــــــــــوق ينمــو
إذا الشـــــــــــــوق استدارا
وحتى لا يمـــــــــــــــــــلَّ
يذوي وينطـــــــــــــــــوي
خجـــــــــــــولا مضمحلا
كم يدعي البـــــــــــــراءة
ويظــــــــــــهر الوقـــــارَ
وهو الذي يحرك سواكن النفوس
ويقلــــــق البحـــــــــــارَ
له فلتــــــــشــــكُ ما تلقى
مشهد (10)
يدرك الشاعر بأن شكواه قد أحيلت على البدر يستدير باحثا عنه
الموسيقى : خلفية موسيقية مناسبة
الفصل الثالث
مشهد (11)
مشهد عام تمثل السماء معظمه حيث تظهر بعض السحب و تلمع النجوم و كذلك البدر حيث يتجه الشاعر ببصره
الصوت : صوت الراوي
الموسيقى : معبرة
الراوي :
البدر في سمــــــــــــــــائه
يسعى بلا اضطـــــــــراب
ليمســـــــــــح النجـــــــوم
بمنديل السحـــــــــــــــاب
وصوت الشــــــــــــاعر
ينمو بصـــــــــــــــــدره
كما تنمو المـــــــــراحل
وصمته الممـــــــاطل
لمَّا يزل بالبــــــــــاب
مشهد (12)
حيث البدر أكثر وضوحا ، الشاعر يناجيه
الصوت : صوت الشاعر
الموسيقى : مصاحبة للغناء
الشاعر :
يا درةَ الضيـــــــــــاء
وقبلةَ العشــــــــــــــاق
وعــــــــالمَ الأحاجي
لمــن أشكو الحبيــب
ومـــــــن لِمَـــا ألاقي
ســــــوى أبي الليالي
مبـــــــــــدد الدياجي؟
مشهد (13)
حيث يتغير موقع الشاعر
الصوت : صوت رجالي يقوم بدور البدر و يكون موحيا بالبعد
الموسيقى : مصاحبة للغناء
البدر (يغني) :
فيمــــــــا مضى ظللتُ
أســــــــــــامر الليالي
وحـــــــــيداً في السماء
ومــــا في الأرض مني
إلا خطى الظــــــــــلال
وصورتي في المــــــاء
فالناس لم يـــــــــروني
بالقلــــــــــب إذ رأوني
ولكن بالعيــــــــــــــون
حتى إذا اســــــــــتدلوا
بها على جمـــــــــــالي
عادوا ليشكــــــــروني
******
ذاك الذي يبـــــــــــاح
له أن يستعــــــــــــير
تعدد الحـــــــــــالات
وترجوه الريــــــــاح
أن يمتطي الأثيـــــــر
فيرضى أن يكـــــون
له الـــــوادي السريرَ
ويســـري في الثـرى
فيوحي للبــــــــذور :
أن بوحي بالنبـــــات
له فلتـــــشكُ ما تلقى
مشهد (14)
حيث يخمن الشاعر ما يقصده البدر ليكتشف أن ملفه قد صار بيد الماء.. ثم يتجه في النهاية باحثا عنه
الموسيقى : خلفية موسيقية مناسبة

الفصل الرابع
مشهد (15)
مشهد عام تحتل اليابسة معظمه و في الأفق تبدو ملامح خضرة و الشاعر يتجه إليها
الصوت : صوت الراوي
الموسيقى : معبرة
الراوي :
ما عـــــاد سرا ما أتي
من أجـــــله للمــــــاء
يشـــــكو بقلب حـــائر
ممــــــــزق يشـــــــد
بالأرض والسمـــــاء
مشهد (16)
حيث يظهر الشاعر واقفا بجوار مجرى مائي
الصوت : صوت الشاعر
الموسيقى : مصاحبة للغناء
الشاعر :
سر الحياة فيـــــــك
وملتقى الأصــــول
ســـــــــلاسة ورقة
فيـــــك يا سلسبيلي
.............
مشهد (17)
حيث يتغير موقع الشاعر
الصوت : صوت رجالي يقوم بدور الماء
الموسيقى : مصاحبة للغناء
الماء (يغني) :
كل ما في من سجــايا
من هواها مســـــتعار
هل لغيري مثل ما لي
من عظيم المــــــزايا
احتويها باشتيـــــــاق
كي تريني الخفــــايا
******
شقيقي في الوجــــود
دعيٌ لا يــبــــــــالي
يلــــــــــــــون الآفاق
بفــــــــــــاتن الآمال
يعـــــد صــــــورتي
ومــــــــــرآتي التي
يـــــرى فيها خيالي
له فلتشـــكُ ما تلقى
مشهد (18)
يكتشف الشاعر بأن ملفه قد صار رهنا بمزاج السيد السراب.. الوجهة السراب إذاً!!
الموسيقى : خلفية مناسبة

الفصل الخامس
مشهد (19)
مشهد عام تمثل اليابسة معظمه ويغلب عليه الجفاف .. يتجه الشاعر نحو عمق المشهد
الصوت : صوت الراوي
الموسيقى : معبرة
الراوي :
أتشــــكو للســـــــــــــراب؟
تشــــــــــــكو لمــــــن تعده
وعـــــاءً للصـــــــــــغائر؟
مــما به لا يــــسمــــــــــع
مـــما به لا يـــــــــــــدرك
مشهد (20)
حيث ينظر الشاعر إلى أفق يزينه السراب
الصوت : صوت الشاعر
الموسيقى :  مصاحبة للغناء
الشاعر :
رجـــــاءَ الحــــــــالمين
بالمـــــــاء في الـقــفــار
عـــــــزاءَ الواصـــلين
لمنتهى المســــــــــــار
ومـــــن به نمــــــــــتْ
لليـــــــــــــائس الآفاقُ
يخـــــــالها تُنــــــــــال
وظـــــــنه المحـــــــال
وهم فهـــــــــــــل يرام
من كان في ابتعـــــاده
عــــــــــــزيزاً لم تدس
بســــــــــاطَه الأقدام؟
.................
مشهد (21)
حيث يتغير موقع الشاعر
الصوت : صوت رجالي يقوم بدور السراب و يكون موحيا بالبعد
الموسيقى : مصاحبة للغناء
السراب (يغني) :
كـــــأني أسمــــــع
فحيـــــح الشــــاعر
أيغريني بقـــــــول
كنفث الســـــــاحر
لينسيني ضغــــائن
أمسي و حاضري؟
يا للدعي المـــاكر
مشهد (22)
يشبه المشهد رقم (20)
الصوت : صوت الشاعر
الموسيقى : مصاحبة للغناء
الشاعر :
أكنتُ واقــــــــفاً ــ
ببـــــاب من يراني
مخادعاً ــ لــــولاه؟
أشكوه مثلما يشــكو
عصيفير جناحـــيه
إذا مـــا ألـــــقيـــاه
في قبضة الصيـاد
وقــــد تخــــــــليا
وســــاوما عــــليه
مشهد (23)
يشبه المشهد رقم (21)
الصوت : صوت السراب
الموسيقى : مصاحبة للغناء
السراب :
أتشــــــكو للسراب
حبيبةَ الســــراب؟!
ولستَ في الهـــوى
أهلاً لحبــــــــــــها
مثلي أما تــــــــرى
ما بي ومـــــا بــها
من شدة اقتـــراب؟
فقلبي مثــل قلبــــها
مموَّهُ الأبــــــــواب
مشهد (24) المشهد الختامي
يشبه المشهد الافتتاحي حيث تتخذ المرئيات شكلا هلاميا مبهما .. يبدو الشاعر يائسا محطما ثم يلفه الظلام في النهاية
الصوت : صوت الراوي
الموسيقى : معبرة
الراوي :
يا لَطَـيف يلــوح
كفكرة تكــــــــاد
في صمتها تذوب
أو ذكرى ما تزال
تحتاجها الغيــوب

1989


الفهرس الثاني

  يسمح بإعادة نشر أي من محتويات المدونة بشرطين  : الشرط الأول : عدم التصرف في المادة المنشورة الشرط الثاني : الإشارة للمصدر عبد الله ...